أقاليم ومحافظات

الشاب “عبدالله محمد” إبن مدينة دراو يحلم بأوضة تكون مأوى له وعينه تشوف “أمه ولو مرة واحدة»بعد أن أصبح الشارع بيته

أسوان- خالد شاطر

 

بعد أن أصبح الشارع بيته وأصبحت القطط تجاورة فى الشوارع وليس له مسكن ولا مكان يعيش فيه غير الشارع الذى أصبح مكانه وعنوانه ولكن لا امان فى الشارع من البلطجية والمجرمين لذا يحلم بمسكن يعيش فيه ويحميه من مخاطر البلطجية وتدق عقارب الساعة تشير للحادية عشر مساءًا، الليل يحل بظلامه على شوارع الجيزة، الأجواء الرمضانية.

تدفع الناس للعودة لمنازلهم في ذلك الوقت استعدادا لوجبة «السحور»، فراغ جزئي يظهر حينها في الشوارع، إلا من بعض الأطفال الذين استمروا لساعات في لعب كرة القدم، حركتهم الدؤوبة التي لا تمل وصوت مناقشاتهم العالي دائما، وبجوارهم يظهر شخص كبير بمظهر غريب، للوهلة الأولى تعتقد أنه مجذوب أو شخص فاقد لعقله، عيناه لا تفارق الكرة معها أينما تحركت، يطلب من الصغار في أدب أن يشاركهم اللعب، وما هي إلا دقائق معدودة حتى انهمك معهم واستمر لساعات على تلك الحالة، وكأنه ابن 10 سنوات.

 

 

ملابس مهلهلة متسخة، تستر جسدًا نحيلًا طويل القامة يتشح بالسواد، فور رؤيته تدرك أن صاحبه لم تطله المياه منذ زمن، يجوب الشوارع بتلك الهيئة بحثا عن معشوقته المستديرة، وقت ما يجد شابا يلعب الكرة يجلس ويشاهدهم ويسرع لمشاركتهم، وحينما ينهك جسده التعب، لا يشغل باله أين ينام، لأنه وعلى حد قوله «الشارع كله بيته».

 

 

الشاب عبد الله محمد سامي، هيئته لا تبدو أن سنه لم يتخط الـ30 عاما، ولكن يظل سنه 28 فقط، أما قلبه فهو قلب طفل بريء، حرم من الحنان وضمة الأم، ويبحث عنهم في مباراة ودية مع أصدقاء لا يعرفهم وقد سكون يراهم للمرة الأولى والأخيرة بحياته، أو نومة هنية بالشارع بجوار القطط الشاردة وعلى الأرصفة التي يكسوها التراب.

 

 

في مدينة دراو في محافظة أسوان نشأ «عبدالله» وكبر، قبل أن يتبدل حاله منذ 5 سنوات بعد أزمة وخلاف دب بينه وبين أشقائه، حرم على إثره من السكن في بلده وبجوار أمه ووالده الذين ليس له سواهما على حد قوله: «أعمامي سلطوا إخواتي عليا عشان يمشوني من البلد وياكلوا حقي، وأنا سيبت البلد ومشيت عشان خايف منهم، بعد ما ضربوني وكسرولي فقرتين في ضهري، جيت القاهرة وانا مش عارف حد خالص، دلوقتي كل الناس بقوا أهلي».

 

 

يعدل بيده وضعية قبعته الصغيرة فوق رأسه، التي بدأ اللون الأبيض يختفي منها، ثم يكمل حديثه، «أنا معايا ليسانس حقوق، وطول عمري بحب الكورة، وبلعب في نادي أسوان من صغري، وينج شمال وباك يمين، والدتي كانت بتساعدني على التمرين ، وتزعقلي لو غبت عن النادي عايزاني أبقى أحسن، وتوقفلي توكتوك عشان أروح بيه».

 

 

منذ الصغر اعتاد ابن أسوان على الصيام، وهو ما وصاه به والده ونشأ عليه، أحيانا يقضي نهاره كله دون أن يجد طعاما، ويواظب على الصيام يومي الإثنين والخميس، أما أيام الأسبوع المتبقية أصبح ينوي الصيام لله كلما فتح عينيه في بداية يومه حتى يأخذ ثواب جوعه، وفي رمضان يصوم الشهر كله، حتى وإن لم يجد سحورًا يقويه على الصيام لساعات النهار الطويل.

 

 

بصوت مخنوق تخالطه حشرجة الدموع، يوجه «عبدالله» كلمة لوالدته التي لم يرها منذ أن ترك بلده، ومنعه إخوته حتى من الاتصال بها، «لو والدتي سامعاني أنا بخير الحمد لله، ولو في نصيب هاجي أزورك، ومتخافيش عليا الحمدلله كلهم بيعزوني يا حاجة هنا، ولسه مؤدب وأمين زي ما ربتيني، أنا متبهدل يا حاجة بس أنا راضي وربنا مبينساش حد».

 

 

يستدير الشاب ذو الملابس المهلهلة ليكمل لعبه للكرة «حلم حياته» مع الأطفال، وفي يده يقبض على نحو 7 كتب دينية، من بينها القرآن وكتب في التفسير وأوراق لأذكار يقرأها يوميا، مهما كان يفعل في يومه تكون تلك الكتب صديقته التي لا يتركها قط من يده، «صحيح أنا على قد حالي بس أنا غني بالكتب الدينية دي، ومخلياني حاسس إني أحسن شخص على الأرض، وكمان الحمدلله حافظ 26 جزء من القرآن».

 

 

حب «عبدالله» لكرة القدم لم ينته بعد تركه لنادي أسوان ومجيئة للقاهرة والجيزة، بل أنه لا يزال متابع جيد لها و«موسوعة كروية متحركة» يعرف اللاعبين وأسمائهم وبالأخص محمود عبدالرازق شيكابالا من الزمالك: «كابتن شيكابالا ده حبيبي بشوفه عند النادي علطول وهو عارفني وإداني هدية أول رمضان هو راجل طيب، وبروح مخصوص للأهلي عشان أشوف محمد الشناوي عرفت بييجي إمتى التمرين وبروح أسلم عليه على باب النادي وأمشي».

 

 

الشارع أعطى دروسًا وحكمًا وفيرة لابن الـ28 عاما، أحيانا يجد لقمة يأكلها وتارة أخرى يأخذ ثواب صيامه الإجباري، ولكنه يأبى التسول والشحاتة، عفيف النفس لا يمد يده سوى رافعُا إياها لله، «الناس بتحن عليا بلقمة أو كوباية شاي أو حتى كلمة طيبة، إنما مش بمد إيدي، بخاف أتقل على الناس أو حد يفهمني غلط ده نصيبي وراضي بيه».

 

 

خوف «عبدالله» من بطش أشقائه منعه من زيارة أمه طوال الفترة الماضية، ويأمل أن تراها عينه ولو لمرة واحدة، كما يتمنى أن يجد منزلًا يأويه ولو غرفة واحدة، وأمنيته الأخيرة هي أن يظل يلعب كرة القدم دائما.

لأنها هي ما يخفف عنه، «أنا عندي كرتونة وبطانية في الحسين بنام عليهم، والناس الطيببن بيدوني أنضف فطار والله، بس نفس في أوضة تلمني وعيني تشوف أمي ولو مرة واحدة».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى