الدين والحياة

الخروج من الجنة “فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا”بقلم محمد سعيد أبوالنصر

الخروج من الجنة “فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا”

بقلم محمد سعيد أبوالنصر

مازلنا نتابع الحديث في رحاب القرآن الكريم، ونشر كتابنا (المنتقى في التفسير ) ،يقول تعالى :{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) }

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: {عَنْهَا} عَائِدًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ فنجَّاهما. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِينَ، وَهُوَ الشَّجَرَةُ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ قَبِيلِ الزَّلَلِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} أَيْ: بِسَبَبِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذَّارِيَاتِ: 9] أَيْ: يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ مَنْ هُوَ مَأْفُوكٌ،
{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أي من نعيم الجنة

أو{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أَيْ: مِنَ اللِّبَاسِ وَالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ وَالرِّزْقِ الْهَنِيءِ وَالرَّاحَةِ. والتعبير بقوله {مِمَّا كَانَا فِيهِ} أبلغ في الدلالة على فخامة الخيرات مما لو قيل: من النعيم أو الجنة، فإن من أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء أن يعبّر عنه بلفظ مبهم نحو {مِمَّا كَانَا فِيهِ}

لتذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إِليه
{وَقُلْنَا اهبطوا} أي اهبطوا من الجنة إلى الأرض والخطاب لآدم وحواء وإبليس، “وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ كالسُّدِّي بِأَسَانِيدِهِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّه وَغَيْرِهِمْ، هَاهُنَا أَخْبَارًا إِسْرَائِيلِيَّةً عَنْ قِصَّةِ الحَيَّة، وَإِبْلِيسَ، وَكَيْفَ جَرَى مِنْ دُخُولِ إِبْلِيسَ إِلَى الْجَنَّةِ وَوَسْوَسَتِهِ .

وجاء حديث النبي يبن وقت نزول آدم فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: “خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا” رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ

واعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَهْدِيدًا عَظِيمًا عَنْ كُلِّ الْمَعَاصِي مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ تَصَوَّرَ مَا جَرَى عَلَى آدَمَ بِسَبَبِ إِقْدَامِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّلَّةِ الصَّغِيرَةِ كَانَ عَلَى وَجَلٍ شَدِيدٍ مِنَ الْمَعَاصِي، قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا نَاظِرًا يَرْنُو بِعَيْنَيْ رَاقِدٍ وَمُشَاهِدًا لِلْأَمْرِ غَيْرَ مُشَاهِدِ …
تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي … دَرَجَ الْجِنَانِ وَنَيْلَ فَوْزِ الْعَابِدِ …
أَنَسِيتَ رَبَّكَ حِينَ أَخْرَجَ آدَمًا … مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبٍ وَاحِدِ …

قَالَ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ فَتْحٍ الْمَوْصِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَسَبَانَا إِبْلِيسُ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَيْسَ لَنَا إِلَّا الْهَمُّ وَالْحُزْنُ حَتَّى نُرَدَّ إِلَى الدَّارِ الَّتِي أُخْرِجْنَا مِنْهَا.

وقال بعض العارفين: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا يحط عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التي أوجبت له الإِخراج من دار الكرامة لم تخرجه عن حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له في العطية فقال

{ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ} [طه: 122] وقال الشاعر:
وإِذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ … جاءت محاسنة بألف شفيع.
جَنَّةُ آدَمَ في الأرض أم في السماء ؟
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ جَنَّةُ آدَمَ الَّتِي أُسْكِنَهَا فِي السَّمَاءِ كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ يُمَكَّنُ إِبْلِيسُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ طُرِدَ مِنْ هُنَالِكَ طَرْدًا قَدَرِيًّا، وَالْقَدَرِيُّ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا آدَمُ فِي الْأَرْضِ لَا فِي السَّمَاءِ .

وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَجْوِبَةٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مُكَرَّمًا، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الرَّدْعِ وَالْإِهَانَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: كَمَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ دَخَلَ فِي فَمِ الْحَيَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ خَارِجُ بَابِ الْجَنَّةِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ فِي الْأَرْضِ، وَهُمَا فِي السَّمَاءِ، ذَكَرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
وقوله {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أي الشيطان عدوّ لكم فكونوا أعداء له كقوله{إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً} [فاطر: 6] وقوله {وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ} أي لكم في الدنيا موضع استقرار بالإقامة فيها
أَو: قَرَارٌ وَأَرْزَاقٌ وَآجَالٌ .

{وَمَتَاعٌ} المتاع ما يتمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوه .
وقوله{وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ} أي تمتع بنعيمها إلى وقت انقضاء آجالكم {إِلَى حِينٍ} أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مُؤَقَّتٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ.

{فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} أي استقبل آدم دعواتٍ من ربه ألهمه إياها فدعاه بها وهذه الكلمات مفسّرة في موطن آخر في سورة الأعراف {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الآية: 23] الآية . وللحديث بقية.
الأستاذ الشيخ : محمد أبوالنصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى