الدين والحياة

الحليم اسم من أسماء الله تعالى . (5)

الحليم اسم من أسماء الله تعالى . (5)

الباحث /محمد سعيد أبوالنصر

تعريف اسم الله الحليم في اللغة : الحليم في اللغة اسم الفاعل من حلم فهو حليم كما يقال: ظرف فهو ظريف، وشرف فهو شريف، وكرم فهو كريم، وهذا مطرد فيما كان من الأفعال على «فعل» إذ يأتي اسم الفاعل منه على «فعيل» وهو فعل غير متعد فلا يبنى منه اسم المفعول ولكن يعدى بحرف الخفض فيقال: حلم فلان عن فلان إذا لم يقابله على إساءته ولم يجازه عليها فالله عز وجل حليم عن عباده لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم ويمهلهم بعد المعصية ولا يعاجلهم بالعقوبة والانتقام، ويقبل توبتهم بعد ذلك.
تعريف اسم الله الحليم اصطلاحا :من أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «الحَلِيم»و هُوَ الَّذِي لَا يستخفّه شىء من عصيان العباد، وَلَا يستفِزُّه الْغَضَبُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِقْدَارًا فَهُوَ مُنْتَهٍ إِلَيْهِ.
قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: الحليم: هو الّذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثمّ لا يستفزّه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال تعالى{ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ } الآية 61 من سورة النحل.
قال ابن منظور الحليم في صفة الله عزّ وجلّ- معناه: الصّبور: وقيل: هو الّذي لا يستخفّه عصيان العصاة ولا يستفزّه الغضب عليهم، ولكنّه جعل لكلّ شيء مقدارا فهو منته إليه
قال الهراس في ” الحليم الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة، فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم، كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} الآية 61 من سورة النحل ”
وقيل حلم الله: هو تأخيره العقوبة عن المستحقّ لها، فيؤخّر العقوبة عن بعض المستحقّين. ثمّ قد يعذّبهم، وقد يتجاوز عنهم، وقد يعجّل العقوبة لبعضهم”.
قالوا: ولنْ يتمَّ حِلمُ الإنسان إلا بإمساكِ الجوارح كلِّها: اليدِ عن البطش، واللسانِ عن الفُحش، والعينِ عن النظرِ الشَّزْر، وأقربُ لفظ يقابل الحِلْمَ هو التذمُّر.
الدليل من الكتاب: إن الحلم هي صفة ذاتية ثابتة لله – عز وجل – بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب: قال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)} [البقرة: 263].
وقال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)} [الإسراء: 44].
الدليل من السنة:عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ».
لقد وصف الله تعالى نفسه بالحليم، وهو مِن أسمائه الحسنى، وذلك لما يراه من معصية العصاة، وظلم الظالمين، واعتداء المعتدين، فلا يُسرع في الانتقام مع غاية الاقتدار؛ قال عز وجل: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [النحل: ٦١] إن الحليم اسم من أسماء الله، وصفة من صفاته، فكم من الأخطاء والمعاصي والزلات ونكران النعم يرتكبها ابن آدم، ومع ذلك تجد رباً غفوراً حليماً منعماً؛ يتجاوز عن السيئات، ويقبل التوبة ويزيد في الحسنات، ويترك الفرصة تلو الفرصة لعباده، ولا يعاجلهم بالعقوبة؛ كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155].
وحلم المولى -سبحانه- ليس بعدم علمه بما يعمل عباده، بل هو العليم الحليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور؛ يقول تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا)[الاحزاب51].
وقال تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235].
وصف الله نفسه بالغفران والحلم فهو سبحانه لا يستفزه التقصير في جانبه، ولا يغضب للغفلة، ويقبل المعذرة، وهو سبحانه يحلم عن مؤاخذة العباد بكل ما يفلت من ألسنتهم، فهو ذو أناة في تركه مقابلة أهل حسنته بالعقوبة على معاصيهم، وتركه معالجة أهل معصيته العقوبة على معاصيهم، كما لا يَعْجَلُ سبحانه على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم متى علم من نفوسهم التطلع إليه والاتصال به، ولم يعلم منها التمرد والتفلّت والإباق، فلعل عباده الخاطئين أن يتوبوا. عن ابن عباس قال: (الحليم الذي قد كَمُل في حلمه).
ويقول تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)[إبراهيم42].
وعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْخٌ كَبِيرٌ يَدَّعِمُ عَلَى عَصًا لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي غَدَرَاتٍ وَفَجَرَاتٍ، فَهَلْ يُغْفَرُ لِي؟ قَالَ: ” أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ ” قَالَ: بَلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: ” قَدْ غُفِرَ لَكَ غَدَرَاتُكَ وَفَجَرَاتُكَ ”
وللحديث بقية.
بقلم / محمد سعيد أبوالنصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى