ثقافات

“الحصان” بقلم الكاتبة إسعاف زكريا المصري

“الحصان”

بقلم الكاتبة إسعاف زكريا المصري

أطنانٌ من الفَحمِ والمَازوت تتَنفّسها رئَة المدينَة، وعِندمَا تبكِي السّماء تَسوّد قطَرات المَاء فَيبتلعُها أديم الأرض قطرانًا. الطّين الكَالح يتلبّد بقدَمي، فتَتعثّرا وتلتصِقَا مِثل عصفُورَين اصطَادهُما الدّبق؛ يلتفّ الشّارع وينعَرجُ راسمًا من نَفسهِ أفعوانًا أسوَدًا اختلطَت أحشَاؤه بجلدِه وتفجّرت جَوانبُها فمزجَت السّم بالقَيحِ بالأوحَال بخطَايا الإنسَان..
كانَ عليَّ أن أجتازَ الشّارع، فليس هناكَ من ممرٍّ سواه، إلى حيث يقولونَ أنّ هناكَ في الجانبِ الآخر من المدينة يبحث الآخرون عن الطّين فلايجدونَه، وقد أضحى أندر من قُفّاز بيب روث. قالوا لي مرّة أن مَن يبتغِي مَدينة الكهرباء والزّنابق عليه أن يشتري حصانًا قويًا، طويل القوائم، عضلاته نوابضٌ من حَديد،
تقفز به فوق الأسطحة وتتسلق الأشجار، بينما تستطيع شعرات ذيله صيد الذّباب وطرد صبيّة الحي. في إعلانات الجّرائد رسوم كثيرة لأنواع مختلفة من الأحصنة، يقولونَ تحتها جميعًا أنها أفضل الأحصنة في العالم؛ تستطيع أن تصير بقفزة واحدة في المدينة المجاورة، ولا تحتاج لعرقٍ أو دموعٍ أو دماء.. كلمسة من السّحر تقفز،
كترياق الكوابيس تشفي! وللحصول على حصان منها لايطلبون الكثير، كانت أرخص الأسعار، قلبك، دماغك، وكبدك؛ وأجمل ابنة من بناتك. أحدهم سرد لي كيف اشترى حصانًا، قال: جوّفوا صدري وجمجمتي، اقتلعوا كلتا عيني، وانفردوا بامرأتي وابنتي، وأعطوني حصانًا ماعرفت لونه أو حجمه أو رائحته، ماسمعت صهيله، ولا أحسست بحركة مفاصله، سرى بي إلى حيث لا أدري. إنني لا أدرك الآن فيما إذا كان الحصان مازال معي أم باعوه لغيري.. معبر الشارع وحيد، لعلّي أختار الاضمحلال إلى الصّفر يوم أن كان الوجود صفرًا. أضع قدمي في زلّة الطّين فتغوص،
أستند إلى جدارٍ عتيقٍ -طينيّ مبلّل- فتنفلت أجزاؤه وتنقبع معها كتل الدّيدان الموّاجة، تلتفّ حولَ ساقي عطشى وتأمَل فيّ منبعَ غذاءٍ جديدٍ.. كيف أشتري حصانًا وكل الأحصنة قد نفقت؟ قالوا إنهم يصنعون لكل إنسانٍ حصانًا، فأين ذاك الذي لي؟! قبل أن أدخل هذا الشّارع عروني من ثيابي تحسّسوا جلدي، وضعوني على ميزانِ،
وتلمّسوا قلبي وكبدي، وقالوا لابأس، ثم دفعوا بي إلى الممر. إذًا باستطاعتي شراء حصان.. مزّقوا قلبي، قطّعوا كبدي، انتزعوا عينيّ، وانفردوا بكل أولادي، ودفعوا بي باتجاه مدينة الكهرباء والزنابق. أمضيت السنين أزحف، وقت تحوّل جسدي لأفعى.. وعندما قالوا لي إنني على مشارف المدينة،
كنت ثعبانًا عجوزًا مهترئًا، اختلط رأسه بذيله، ولم يكن لدي عينان أرى بهما تلك المدينة، أو قلب يخفق إذا ماتحسسها، كبد يرتوي! أو وليف يضمدّ جرحًا.. كل ماكان لديّ هو الكثير من السّموم. هذه السّموم قالوا أنهم يستخدمونها في صنع العقاير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى