مفالات واراء حرة

((الحرامي)) بقلم المنتجب علي سلامي

((الحرامي)) بقلم المنتجب علي سلامي

تعوّدت بعض الأسر الفقيرة المتفرّقة في إحدى النواحي الزراعيّة على شخص يُدعَى (أبوتحسين )أن يزورها مسروراً بشكل مُتخفٍّ في أوقات مختلفة، خاصّة قبيل الأعياد صيفاً وشتاء، وكان يمشي على طرقات فرعيّة جبليّة وعرة ،اختارها لأنّها مهمّشة ويقلّ العابرون عليها،
ويقدّم لهذه الأسر المحتاجة المساعدات الماليّة وسواها ،ويساعد تلاميذ المدارس والجامعات الفقراء على شراء مايحتاجونه في دراستهم ويتكفّل بنفقات سفرهم وعلاجهم ويشاركهم همومهم وغير ذلك…
وقد اشترط هذا الرجل المُحسِن على تلك الأسر الفقيرة بألّا تذكر اسمه وألّا تمدح أفعاله وأن تتستّر عليها مبالغاً في تأكيده ذلك ….
وكان أثناء زياراته لمنازل تلك الأسر لسنوات يغتنم الفرص التي تقلّ فيها حركة أهل البلدة ،كي لايراه أحد
وغالباً ماتكون هذه الزيارات مساءّ وبشكل خاطف…
وفي يوم من أيّام الصيف ضجّ أهل تلك الناحية وغضبوا بعد أن تعرّضت حقول أحد الأثرياء (الآغا) فيها للسرقة، ولسوء الحظّ كانت هذه الحقول قريبة من منزل أحد الفقراء في الجهة الغربيّة للبلدة والذي كان يزوره أبو تحسين للمساعدة المعتادة من حين إلى آخر متستّراً بلحاف الليل….
فكمن رجال هذا الآغا لأيّام حول تلك الحقول التي سُرقت بعض محاصيلها ،وقد ألقوا القبض على أبي تحسين وهو يمشي ليلاً في ليلة من الليالي متستّراً كعادته على طريق ترابيّ ضيّق ، واتّهموه بالسرقة والبسوه رداءها القذر، فلا مبرر له برأيهم أن يتواجد في ذلك الزمان وذلك المكان….
لم يتمكّن أبو تحسين من الدفاع عن نفسه بل لم يحاول فعل ذلك، لأنّ رجال الآغا الثريّ ظلمة وكاذبون و لن يصدّقوا ماسيقول ،وسيفضح نفسه إن هو اعترف بحقيقة مايفعله ويكشف عن أعماله الخيريّة التي أرادها أن تكون سرّا تقرّباً من الله وإحسانا بعيداً عن التفاخر والمنّ والأذى وإلحاق المهانة بالفقراء وأولادهم الذين وثقوا به واحترموا أخلاقه وقدأحبّهم فأحبّوه وأخلص لهم فلم يكونوا إلّا مخلصين…
ففضّل واثقاً أن يُتّهم بالسرقة ويدفع مالاً للآغا ثمن ماسُرق من بساتينه…..
وقد لقّبه الناس أغلبهم في تلك الناحية والنواحي حولها منذ ذلك الوقت بلقب( الحرامي )وسخروا منه وازدروه ….
لكنّ عشرات المثقّفين المتعلّمين لم ينسوا أفضال هذا الحرامي عليهم وعلى أسرهم وبأنّه كان السبب في أن يكونوا أطباء ومعلّمين ومهندسين وضبّاط وسوى ذلك…..
وما زال هذا الحرامي يعيش قانعاً سعيداً بما يفعله في الليل وهو يمشي على طرقات بيوت الفقراء ولايخاف ممّن يتّهمونه بالسرقة….
ومازال الآغا يتّهم الأبرياء بسرقة محاصيل أرضه ويوزّع عليهم ألقاباً رديئة، ويدّعي ذلك في كثير من الأحيان من أجل المال… ومازال السارق الحقيقيّ لتلك البساتين مجهولاً ومحميّاً ويمارس قذاراته بتفاخر في وضح النهار.
/المنتجب علي سلامي/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى