اخبار عربية

التلفزيون السوري يستعيد ألقه في برنامج ” قوافي “

التلفزيون السوري يستعيد ألقه في برنامج ” قوافي “

سامر خالد منصور

نادرة هي البرامج الثقافي المُتخصصة في جانب إبداعي بعينه قياساً لتلك التي تتناول أنشطة فنية وأديبة متنوعة فلا تصل بنا إلى حالة الإشباع ، أو حتى إلى التمكن من الوقوف على قيمة وجوهر ما يتم تقديمه.
إن طوفان البرامج الفنية والترفيهية في البلدان العربية وتراجع البرامج الثقافية العميقة مَرَدُّهُ إلى العولمة والقبول الذي تَلقاه هذه البرامج لدى العامة وهو ربما ناتج عن الاكتئاب الذي يكتسح الوجدان العربي جراء الخيبات المتتابعة والتي لن يكون آخرها تطبيع عدد من الانظمة العربية مع الكيان الصهيوني.
إن قارنا بين الوقت والميزانيات المرصودة للبرامج الترفيهية والفنية التي قد تصل أحياناً بعبثيتها إلى مناقشة طول كعب الحذاء المُفضل لدى فنانة ما ! أو سؤالها عن طعامها المفضل ! وبين البرامج الثقافية التي تُعمّق رؤية المُتلقي للحياة وتوسع مداركه ، سنجد أنه لامجال للمقارنة مع كل أسف. ومن هنا كان لابدَّ من تسليط الضوء على البرامج الثقافية المتخصصة لإنصافها وسط طوفان البرامج التي تتبع النمط الإعلامي الغربي في الدول الرأسمالية حيث يتم التركيز على النجوم والنجمات لتمرير الموضة وتعزيز حُمى الاستهلاك عبرهم ، عوضاً عن التركيز على المحتوى والقيمة المُضافة للعمل الفني السينمائي أو المُتلفز.
إن أردنا الحديث عن أبرز مشكلات البرامج الثقافية المتخصصة فنجد أنها ذات المشكلات التي في كثيرٍ من المواكبات والمتابعات الصحفية ، والتي تتمثل بتقديم المُنجز في سياق احتفائي تحت ذريعة أن الممارسة الفينة جزء من الحالة الوطنية الحضارية فيتم اسقاط هالة على ما يتم تقديمه من أعمال مسرحية وأفلام سينمائية ومعارض فنون تشكيلية.. إلخ ، مما يُكرس تدهور الذائقة العامة حيث ليس هناك نقد ولا مُراجعة و لا تفنيد إلا ضمن هوامش ضيقة وتغلبُ الحفاوة والمجاملات و”الكليشيهات” من نمط ” رغم الظروف الصعبة استطاع السوري أو المصري.. إلخ أن يُنجز فنّاً ونجح” وفي هذا غبن ، حيث يتم تقديم المنجز الفني الناجح بذات الطريقة التي يتم فيها تقديم الأعمال الرديئة.
وبالرغم من ذلك الإطار العام والتوجه الذي يتماشى مع أسس ” الإعلان ” عن الأعمال الإبداعية أكثر مما يتماشى مع أسس ” الإعلام ” إلا أننا لا نستطيع التقليل من أهمية البرامج التلفزيونية المتخصصة ، وقد استطاعت بعض الفنون كالمسلسلات الدرامية أن تأخذ حقها في وسائل الإعلام إلى حدٍّ ما ، حيث استطاعت قناة سورية دراما على سبيل المثال تقديم برامج متخصصة تضطلع بالمُراجعة والنقد البنّاء.
ومن التجارب الناجحة برنامج ” قوافي ” الذي تذيعه القناة السورية من إعداد الإعلامي والشاعر علي الدندح ومن إخراج سعاد حمزي الذي شكل ذاكرة وتوثيق ضروري في هذه المرحلة ، خاصة وأن حياة الشعراء كحياة بقية الناس مهددة بسبب ممارسات العصابات الإرهابية والقوات الغازية و جائحة كورونا ، وبالتالي يجب أن تحصل النخب المثقفة على منابر تمنحها حيّزاً لائقاً يُمكِّنُها من تأدية دورها في الذاكرة الجمعية والوعي الجمعي السوري والعربي ، لامتلاكها لمقدرة تعبيرية وقدرة على تكثيف الحدث والسَبر فيما اعتَمَلَ في الوعي الجمعي من مفاعيل سلبية كانت أم إيجابية لإنتاج الأحداث التي نعيشها ، وقد استطاع برنامج قوافي إعطاء النزر اليسير من نخبة المجتمع السوري التي اختارت الشعر كأداة تعبير وتأثير ، فرصتها ومنبرها لتطرح أفكارها وقراءاتها و رؤاها عبر الحوار وفن الشعر وجعلها أقرب لخوضه في ملامح من سيرة الشاعر أو الشاعرة الشخصية .
تكمن أهمية متابعة الشعوب لما خَلُصَ إليه مثقفوها ، أن للمثقف ذات رائية تعيش التجربة بشكل مُدرك واعي وتتشبع بالتجربة وتستطيع تحليل ما مرت به وفهم كُنهِهِ والخروج بنتائج مهمة.

– ما الذي ساهم في نجاح برنامج ” قوافي ” ؟

1- امتلاك المعايير الموضوعية الذي بدى جَليلاً في انتقاء البرنامج لضيوفه وسط التشويش الذي خلقته مواقع التواصل الاجتماعي حيث كَثُرَ المُدعون والمتطفلون على فنِّ الشعر فاختلط على الجيل الصاعد الأمر وكادت تضيع لديه الهوية المميزة لهذا الفن العظيم.
2 – تكريس البُعد القومي العربي الذي استهدفته المؤامرة ذات الأجندات الاستعمارية الغربية التي جاءت تحت مسمى الربيع العربي ، عبر استضافة شعراء عرب أصحاب مواقف قومية ومبدئية حيث شكَّلَ البرنامج واحة تعكس مياهها صور أقمارٍ متعددة من قامات تضيء صفحة التراث الإنساني العريق للمنطقة العربية بإبداعاتها المتفردة و رؤاها السابرة.
3 – تأكيد فشل الغرب الاستعماري في جعل قضية العرب الأولى ” القضية الفلسطينية ” تحتل مكانة متأخرة من الوجدان العربي ، وتضييع البوصلة القومية في مقاومة المطامع الاستعمارية في فلسطين ، وجاء هذا التأكيد عبر عدم خُلو جُل حلقات البرنامج من السَبر في اتجاه فلسطين والمقاومة مما لدى المبدعين السوريين والعرب من رصيد إبداعي ، وقد كشف هذا السبر عن حضور مُتقد لفلسطين في وجدان الشعراء السوريين والعرب ، وإن كان كل ما عصف بسورية والبلدان العربية عاجزاً عن خفض مكانة فلسطين وحيزها في وجدان المبدع والمُتلقي فهذا يعني أن لا شيء بَعد يستطيعُ التأثير على تلك المكانة المُتجذرة ، وفي هذا رسالة بليغة.
وختاماً لابدَّ من التأكيد على أهمية حضور اللغة العربية السليمة عبر القنوات السورية الرسمية لكون البرامج التي تتناول الفنون الترفيهية ومعظم البرامج الأخرى أضحت تُقدّم باللهجة المحكية ، بينما بقيت البرامج الثقافية المتخصصة من البرامج القليلة التي تُقدّم باللغة العربية الفصحى وهذا يساهم في عدم نسيان المتلقي للغته السليمة.

فريق عمل برنامج ” قوافي ” :
اعداد وتقديم : علي الدندح.
مشاركة اعداد : وعد ديب.
تعليق : أسامة شحادة ، منار مراد.
غرافيك : م. كريم اليازجي.
تصوير : أغيد الطول.
مدير انتاج : إبراهيم طعمة.
مونتاج : محمد خضور ، طوني خنورة.
إخراج : سعاد حمزي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى