الدين والحياة

الترغيب في خلق الحِلم من السنة النبوية(4)

الترغيب في خلق الحِلم من السنة النبوية(4)

الباحث /محمد سعيد أبوالنصر
في هذا العصر الذي نحيا فيه، لهث الناس خلف الحياة المادية، وتركوا التعاليم الربانية، إلا من رحم ربي. ولذا ظهر في هذه الحقبة من الزمان من الأمراض الخطيرة، والعلل الوبيلة التي لم تظهر في أسلافنا الصالحين. ومن الأدوية التي تهدأ النفس، وتريح القلب الحلم والتحالم. فكم من بيت خُرِب بسبب الغضب. وكم من امرأة طلقت بسبب غضب زوجها. وكم من رجل شل بسبب الغضب. وكم من أولاد قد شردوا بسبب الغضب. لذا تبدوا أهمية التداوي بالحلم والتحالم واضحة كوضوح الشمس في كبد السماء عند الظهيرة) وصفة الحلم قبل أن تكون دواء فهي صفة يحبها الله عز وجل، وقد وردت أحاديث نبوية تدل على هذا المعنى منها:
السنة النبوية تؤكد على خلق الحلم .
-قال-صلى الله عليه وسلم- لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ « إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ». قال الشيخ موسى شاهين لاشين :”روايات كثيرة لهذا الحديث في مسلم حصرناها في خمس، وروايات كثيرة له في البخاري، وبينها اختلاف كثير في الألفاظ بالزيادة والنقص والتبديل والتقديم والتأخير والقصة واحدة، ولم يعد هذا الاختلاف مشكلا بعد البيان الذي مر بنا قريبا عن صحة الرواية بالمعنى، واختلاف الرواة في الحفظ والضبط الذي لا يطعن في صحة الحديث. وقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : الْأَشَجُّ الْعَصْرِيُّ ، اِسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ زِيَادِ بْنِ عَصْرٍ الْعَصْرِيُّ أَشُجُّ عَبْدِ الْقَيْسِ ، قال ابن الكلبي: اسمه المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف، وقيل اسمه المنذر بن عامر، وقيل المنذر بن عبيد، وقيل اسمه عائذ بن المنذر، وقيل عبد الله بن عوف. كَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ ، وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : ( إِنَّ فِيك لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ).
قوله (إِنَّ فِيك)هل يقصد بكلمة (فِيك) الأشج وحده؟ أم يقصد الأشج وغيره ؟ اختلف العلماء فذهب بعضهم أنه يقصد بهذا الخطاب الأشج
قال الأمير “(إن فيك)أيها المخاطب وهو الأشج العبدي من وفد عبد القيس.
وقيل يُقصد به هو وغيره ، قال الهروي “قيل إنَّ المخاطب هو وغيره وقوله (إِنْ فِيكَ لِخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ) أَيْ: فِيكَ وَفِي غَيْرِكَ”
و(خصلتين) أي صفتين. (يُحِبُّهُمَا اللَّهُ، الْحِلْمُ ،وَالْأَنَاةُ ) يَجُوزُ فِيهِ وَجْهَانِ : النَّصْبُ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أي ” نصبها بدل من خصلتين ( “وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ هُمَا الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ .
لَكِنَّ الْأَظْهَرَ هُوَ النَّصْبُ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ
قوله(الْحِلْمَ والإناه) (الْحِلْمَ) : وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ ،والإناه بفتح الهمزة والقصر فيها وفي الكلمة أي التثبت وترك العجلة والثاني المكث والإبطاء يقال أنيت ممدودا وأنيت مشدد وتأنيت
وقوله الذي لا يعجل شيء أناه وقدره بكسر الهمزة والقصر أي وقته قال الله تعالى ) فالحلم: العقلُ، والأناة: التثبتُ وترك العجلة،
و(الْحِلْمَ) : تَأْخِيرُ مُكَافَأَةِ الظَّالِمِ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ قِيلَ: وَالْمُرَادُ لَهُ هُنَا عَدَمُ اسْتِعْجَالِهِ وَتَرَاخِيهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي مَصَالِحِهِ. قُلْتُ: فَيَبْقَى مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ: (وَالْأَنَاةُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ وَهِيَ اسْمٌ مِنَ التَّأَنِّي، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْوَقَارُ وَالتَّثَبُّتُ، وَقِيلَ: الثَّبَاتُ فِي الطَّاعَاتِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ جَوْدَةُ نَظَرِهِ فِي الْعَوَاقِبِ.
وضد الحلم ،والأناة: الطيش والعجلة وهما خلقان مذمومان يفسدان الأخلاق والأعمال، هَذَا وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ رُوِيَ عَنِ الْمُنْذِرِ، الْأَشَجِّ أَنَّهُ «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: ” بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا ” قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ» اهـ. وَإِنَّمَا عَطَفُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَابِعَةٌ لِمَحَبَّتِهِ تَعَالَى لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ. وإنما قال له النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا؛ لأنه ورد فى هذا الخبر أن وفد عبد القيس لما وصلوا المدينة رموا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد، وبادروا إلى النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأقام الأشجّ عند الركائب حتى أناخها ،ولم يتسرع كما تسرعوا، وجمع رحالهم وعقَل ناقَتَه، وخلع ملابس السفر، ولبس ثياباً جُدداً ، وهي أحسن ثيابه، قيل أخرج ثوبين أبيضين فلبسهما ، ثمَّ أقبل إلى النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هونا حتى سلم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم فقربه النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأجلسه لجانبه، ثم إن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: ” تبايعون على أنفسكم وقومكم؟ ” فقال القوم: نعم، فقال الأشجُّ: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل عن شىء أشدَّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا وترسِل معنا من يدعوهُم، فمن أتبعنا كان معنا ومن أبى قاتلناه، قال: ” صدقت، إن فيك لخصلتين … ” الحديث.
قيل فى الوفد: إنه الجمع المختار للقدوم على العظماء من بُعدٍ، فإن لم يقدموا من بُعدٍ فليس بوفد.
وجاء في إكمال المعلم للْقَاضِي عِيَاض “وَسَبَب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيث الْوَفْد أَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا الْمَدِينَة بَادَرُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَامَ الْأَشَجّ عِنْد رِحَالهمْ فَجَمَعَهَا وَعَقَلَ نَاقَته وَلَبِسَ أَحْسَن ثِيَابه ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَرَّبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبه ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ ” ، فَقَالَ الْقَوْم : نَعَمْ . فَقَالَ الْأَشَجُّ يَا رَسُول اللَّه إِنَّك لَمْ تُزَاوِلْ الرَّجُلَ عَنْ شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ . نُبَايِعك عَلَى أَنْفُسِنَا ، وَنُرْسِل مَنْ يَدْعُوهُمْ . فَمَنْ اِتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ . قَالَ : ” صَدَقْت ، إِنَّ فِيك خَصْلَتَيْنِ ” . الْحَدِيث . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : فَالْأَنَاة تَرَبُّصُهُ حَتَّى نَظَرَ فِي مَصَالِحه وَلَمْ يَعْجَلْ ، وَالْحِلْم هَذَا الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ الدَّالّ عَلَى صِحَّة عَقْله ، وَجَوْدَة نَظَرِهِ لِلْعَوَاقِبِ ، قُلْت : وَلَا يُخَالِف هَذَا مَا جَاءَ فِي مُسْنَد أَبِي يَعْلَى وَغَيْره أَنَّهُ لَمَّا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشَجِّ ” إِنَّ فِيك خَصْلَتَيْنِ ” الْحَدِيث . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَا فِيَّ أَمْ حَدَثَا ؟ قَالَ : ” بَلْ قَدِيم ” . قَالَ : قُلْت : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا .
ويقول الإمام النووي “وَفِيهِ جَوَاز الثَّنَاء عَلَى الْإِنْسَان فِي وَجْهه إِذَا لَمْ يَخَف عَلَيْهِ فِتْنَة إِعْجَاب وَنَحْوه . وَأَمَّا اِسْتِحْبَابه فَيَخْتَلِف بِحَسَبِ الْأَحْوَال وَالْأَشْخَاص
وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْمَدْح فِي الْوَجْه فَهُوَ فِي حَقّ مَنْ يُخَاف عَلَيْهِ الْفِتْنَة بِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَقَدْ مَدَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الْوَجْه فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ” لَسْت مِنْهُمْ ” وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا أَبَا بَكْر لَا تَبْكِ إِنْ أَمِنَ النَّاس عَلَيَّ فِي صُحْبَته وَمَاله أَبُو بَكْر ، وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْر خَلِيلًا ” وَقَالَ لَهُ : ” وَأَرْجُو أَنْ تَكُون مِنْهُمْ ” أَيْ مِنْ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اِئْذَنْ لَهُ وَبِشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ” . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اُثْبُتْ أُحُد فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِيّ وَصِدِّيق وَشَهِيدَانِ ” وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” دَخَلْت الْجَنَّة وَرَأَيْت قَصْرًا فَقُلْت لِمَنْ هَذَا ؟ قَالُوا لِعُمَر بْن الْخَطَّاب ، فَأَرَدْت أَنْ أَدْخُلهُ فَذَكَرْت غَيْرَتك ” فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّه أَعَلَيْك أَغَارَ ؟ وَقَالَ لَهُ : ” مَا لَقِيَك الشَّيْطَان سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْر فَجّك ” وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اِفْتَحْ لِعُثْمَان وَبِشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ” وَقَالَ لِعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ” أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك ” وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ” أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ” وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ : ” سَمِعْت دَقَّ نَعْلَيْك فِي الْجَنَّة ” وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّه بْن سَلَّام : ” أَنْتَ عَلَى الْإِسْلَام حَتَّى تَمُوت ” وَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ : ” ضَحِكَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالكُمَا ” وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : ” أَنْتُمْ مِنْ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ ” وَنَظَائِر هَذَا كَثِيرَة مِنْ مَدْحه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَجْه . وَأَمَّا مَدْح الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَأَكْثَر مِنْ أَنْ يُحْصَر. إنَّ الحلم والأناة كلاهما من مكارم الأخلاق فيكمل طالب العلم ويجمل ويعظم ويحسن إذا زَّينه الله-جل وعلا- بزينة التقوى وألبسه الله حلية مكارم الأخلاق فرأيت آثار النبي– صلى الله عليه وسلم –وأخلاقه وشمائله وآدباه-صلوات الله وسلامه عليه- تظهر من ذلك العبد الصالح في وجهه وفي كلامه وفي معاملاته وفي أخذه وعطائه وظاهره وباطنه مع الناس .
– وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : التَّأَنِّي مِنَ اللهِ ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَمَا شَيْءٌ أَكْثَرَ مَعَاذِيرَ مِنَ اللهِ ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنَ الْحَمْدِ ”
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: ” إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ , وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ ”
– وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ».
قال ابن بطال: (مدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم، وأخبر أن ماعنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك).
وقال ابن عبد البر: “وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ فَضْلُ الْحِلْمِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِلْمَ كِتْمَانُ الْغَيْظِ وَأَنَّ الْعَاقِلَ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ”
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ – قَالَ وَكِيعٌ -، وَيَقُولُ: ” اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ”
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: ” فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا ”
قوله صلى الله عليه وسلم: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى)”أَيْ ذَوُو الْأَلْبَابِ وَالْعُقُولِ وَاحِدُهَا حِلْمٌ بِالْكَسْرِ فَكَأَنَّهُ مِنَ الْحِلْمِ الْأَنَاةُ وَالتَّثَبُّتُ فِي الْأُمُورِ وَذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ الْعُقَلَاءِ وَوَاحِد النُّهَى نُهْيَةٌ بِالضَّمِّ سُمِّيَ الْعَقْلُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْهَى صَاحِبَهُ عَنِ الْقَبِيحِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أُولُو الْأَحْلَامِ هُمُ الْعُقَلَاءُ وَقِيلَ الْبَالِغُونَ وَالنُّهَى بِضَمِّ النُّونِ الْعُقُولُ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أُولُو الْإِحْلَامِ الْعُقَلَاءُ يَكُونُ اللَّفْظَانِ بِمَعْنًى فَلَمَّا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ عَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ تَأْكِيدًا وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَاهُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النُّهَى مَصْدَرًا كَالْهُدَى وَأَنْ يَكُونَ جَمْعًا كَالظُّلْمِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ الَّذِينَ يَقْرَبُونَ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْوَصْفِ”
وللحديث بقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى