مفالات واراء حرة

التراث الشعبي ودوره في تنشئة جيل مناضل

التراث الشعبي ودوره في تنشئة جيل مناضل

الباحثة نجلاء الخضراء
تلجأ المجتمعات إلى تراثها الحضاري كوسيلة للمقاومة والاستمرار وأساس تستند عليه في اثبات الامتدادات والتجليات الأعمق هويتها ووجودها ومجرد دور التراث كعنصر جوهري في تكريس الوجود يمنحه دوراً هاماً في مقاومة كل عدوان يهدد هذا الوجود.
من هنا وجب علينا العودة لتراثنا واستخدامه في مواجهة العدو الصهيوني وذلك بالعمل على جمعه وتوثيقه وإعادة تدويره وتطويره بما يتناسب مع الحياة المعاصرة وبما يتناسب مع التطور والحداثة وتوظيفه في المجتمع ودمجه ببرامج التعليم والتربية وتنشئة الأطفال وتثقيفهم
بما يضمن لهم شخصية قوية متوازنة تستطيع مجابهة مختلف التحديات بعزم وإصرار في مجتمع سريع التطور والتقلب متعدد الوجوه غلبت عليه التكنولوجيا الحديثة والاتصالات السريعة غير المقرونة بوجود رقيب أو حسيب، وساهمت في تقويض العلاقات الشخصية وحرمت الأطفال من اللقاءات الاجتماعية
كان العبث بحقوق أطفالنا والعمل على محاولة اختزال اهتماماتهم وتحجيم آمالهم وتطلعاتهم أداة من أدوات العدو ليصنع جيلاً من أشباه الرجال تتهاوى أمام أعينهم عزة الأمة ورفعتها فلا تهتز لهم شعرة ولا تشتعل في أنفسهم حمية وهم يرون أراضيهم تغتصب ومقدساتهم تنتهك.
فكيف لنا أن نحارب أعداءنا ونجهض مخططاتهم الموجهة نحو أطفالنا ومستقبلنا؟
ما هو دور التراث في تربية الطفل وكيف نعرّف الطفل بتراثه وكيف نربط بين التراث الشعبي والحياة المعاصرة؟
كان أقوى سلاح لمواجهة هذا الابتلاء هو التمسك بالتراث الفلسطيني العربي الذي عمل العدو جاهداً على طمسه ومحوه وتشويه ملامحه ، فقد خاطب الأدب الشعبي الطفل منذ أن كان صغيراً فتراوحت الأنغام واختلفت، من الهادئة عند النوم إلى الأنغام المتواترة السريعة
في أوقات اللعب والطعام، أما المضمون فغالباً ما حملت تلك الأغاني مضموناً عقائدياً بعضها حملت أدعية التحصين والحماية وأساليبها وبعضها تضمن كلمات الإعجاب والحب طالبة بها تهدئة نفس الطفل وراحته أو أنها حملت كلمات المداعبة بأساليب اللعب وتسلية الطفل، من أهم تلك القوالب الموسيقية الميجانا والعتابا والدلعونا والجفرا… الخ
أما الحكاية الشعبية فعملت على صقل شخصية الطفل وتعزيز ايمانه بأمجاده وأمجاد أمته والاحتذاء بها. واعتمدت على التذكير الدائم بالموقف والأماكن والشخصيات التاريخية العريقة وهي تمثل احدى الوسائل الهامة في التغذية الروحية والصقل النفسي وبناء الشخصية على أسس ودعائم سليمة للنهوض بالواقع الحالي ودفعه إلى ميادين التحرر والتطور[1].
وذلك بإسقاط تلك القصص والحكايات على الواقع فنجد في تلك القصص قصص الأنبياء على أرض الشام، وذاك المسافر الذي يتوق للعودة إلى بلده، وبطل يحارب أعدائه، وهناك قصص الحيوانات التي تبني بيوتها على أرضها وتقاتل من أجل قوت يومها…الخ
في حين حملت اللوحات والرسومات التراثية موضوعات متنوعة دينية واجتماعية وحكايات السير الشعبية والقصص الأسطورية والحرف والحياة اليومية كما حملت موضوعات وفكر المقاومة والصمود والتحدي وغرس القيم الأخلاقية والهوية العربية بأسلوب رمزي بسيط بعيد عن التكلف والصور المركبة التي يعيشها الطفل. ما يخلق لديه فهم الرمز واستيعابه والتعامل معه وسرعة البديهة ويخلق في ذهنه الخيال الواسع. من شأن تلك الحرف والفنون تعريف الطفل بأبطال عظام وأعمالهم بأسلوب جاذب سهل.
والألعاب الشعبية تنمي حيوية الطفل وتربي لديه مهارات الذكاء. هي نشاط جذاب للطفل يستهويه منذ الصغر، تنطلق من البيئة المحلية شأن بقية النشاطات التربوية التي ينشأ معها الطفل وينمو ويتطور.
على الطفل أن يعرف القيمة الحضارية التي يمتلكها ثوب جدته وشروال جده وأن يتباهى بتلك القيمة ويفتخر بها وبارتدائها إضافة إلى الميزات الطبية والجمالية والفلسفية والهندسية التي يتميز بها ذلك الزي ومدى ملائمته للبيئة الشامية المتنوعة جبلية كانت أو سهلية أو صحراوية وملائمته للأعمال والممارسات اليومية في الحقل والبيت وغيرها من النشاطات فالزي الشعبي يدل على هوية الشخص ووضعه الاجتماعي والاقتصادي.
ورؤية الطفل المتكررة للنقوش والزخارف التراثية سواء في الأزياء أو معالم المدينة العمرانية يغذي ثقافته وذاكرته البصرية المرتبطة بأرضه كون كل تلك النقوش مستمدة من البيئة الطبيعية للوطن من نباتاته وألوانها وغير ذلك.. وبالتالي يعزز انتماءه وتعلقه بأرضه ومعالمها.
إن الدعوات التي نادت بقطع الصلة بالماضي والاستهانة بأمجاده والاعتقاد بأن التقدم هو التنكر للتراث الذي صور على أنه سجن وهو في الحقيقة فضاء للتحرر وارتياد الآفاق، هي جميعها دعوات استعمارية تهدف لمحو التراث والهوية العربية وبالتالي هي نداءات اغواء وتضليل يجب كشفها ومحاربتها عن طريق العودة للتراث الأصيل بعيداً عن الدسّ والكذب والافتراءات.
فالحداثة والمعاصرة ليست سوى حصيلة التفاعل بين الماضي والحاضر، فلولا التجارب والاكتشافات السابقة القديمة لم ولن نصل للحداثة والتطور. فتنمية التراث لا تعني الانصراف عن الحداثة والابتعاد عن واقع الطفل المعاصر انما هي أسلوب من أساليب التربية الحديثة وتنشئة الطفل وتكوين شخصيته حتى يتمثل قيم مجتمعه،
وهي تساعده على التمسك والحفاظ على هويته وأصالته وخصوصية ثقافته، وهي خطوة مهمة في مواجهة أعدائه. ولن يتم هذا إلا بنقل التراث عبر الأجيال وتعليمه لأطفالنا على أنه أمانة في أعناقهم عليهم الدفاع عنه واستخدامه كسلاح لحماية أوطانهم ومجابهة أعدائهم .
[1] البدوي، مرزوق، المرجع السابق، ص293

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى