تقارير وتحقيقات

" البوابة الغربية " بقلم – مروة الحمامصي

” البوابة الغربية ” بقلم – مروة الحمامصي
 
أذكر في احدى المحاضرات أن أحد أساتذتنا الاجلاء في  التاريخ الاسلامي  تناول فيها دخول الفاطميين مصر فذكر أن تاريخنا كان كثيرا ما يشهد دخول الغزاة مصر من الجهة الشرقية و كان دخول الفاطميين من الغرب هو حادثة أولى من نوعها , فاستأذنته في التحدث , وذكرته أن تاريخنا القديم شهد الغزو من الغرب , وتاريخنا الحديث ايضا وذلك أثناء الحرب العالمية الثانية وتجلت شدة المواجهة في معركة العلمين , فأثنى على تذكيري له وتناول بشيء من الاختصار تلك الحوادث .
وحدودنا الغربية أهتم بها حكام مصر منذ ماقبل الأسرات حيث كانت مصر أول دولة عرفها العالم – العراق برغم تقدم حضارتها كانت حضارة المدينة الواحدة – وقد سجلت آثار تلك المرحلة رسومات لأبناء القبائل الليبية بأدوات الصيد وفي ابيدوس وجدت علامة هيروغليفية تدل على التحنو أو القبائل الليبية و رسومات تمثل سبع مدن محصنة متحالفة استطاع أن ينتصر عليها ملك مصر . وهناك ايضا لوحةالتوحيد ترجع للأسرة الأولى (3400- 3200 ق.م.) في عهد الملك نعرمر يظهر فيه الملك يضرب مجموعة من الأسرى اختلف العلماء هل كانوا من أهل الوجه البحري أم من الليبيين , إلا أن الأراء اجتمعت على توحيد القطرين بعد طرد الليبيين من الوجه البحري . وعلى حجر باليرمو نقش مايفيد بأن الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة قاد حملة ضد التحنو وأسر 1100 أسير واستولى على 13100 رأس من الماشية و الأغنام . وفي الأسرة الخامسة نقش الملك سا حو رع تم نقش صور لليبيين القدماء , وقد نقش على جدران مقبرة حاكم الجنوب في أبيدوس في عهد الملك ببي الأول – من الأسرة السادسة – أنه قاد جيشا ضد بدو آسيا في وانضم لجيشه سكان الجنوب ومنهم شعوب التمحو , وقد وصف حاكم وقائد القوافل في الجنوب ” حر خوف ” على مقبرته رحلته الجنوبية أنه ذهب لاقليم يام في النوبة ثم تقدم للجنوب الغربي من النيل فوصل لبلاد التمحو .
أما في عصر الدولة الوسطى (2060 – 1785ق.م ) , ففي حكاية سنوهي عهد الملــك منتوحتب الأول (1991-1961 ق.م )  يذكر أن سنوسرت ابن الملك منتوحتب الأول خاض حربا ضد التمحـو ويرى المؤرخون أن هــذه الحرب وانتصر فيها  وأكد هذا (ديودورس الصقلي) كما ذكر أن سنوسرت الأول قد أخضع الشق الأكبر من ليبيا .
وفي  الدولة الحديثة (1580 -1085 ق.م) وتحديدا في وثائق مقابر طيبة في عهد الملكة حتشبسوت والملك تحتمس الثالث لقد احتفظت لنا بعض مقابر طيبة في الفترة ما بين 1490 – 1447 ق.م بصور تمثل تسديد الجزية التي قدمت من بعض القبائل الليبية في الواحات البحرية. وكذلك رسومات معبد الكرنك في  عهد الملك سيتى الأول والتي تشير إلى هجمات خطيرة قامت بها قبائل التحنو , ويبدو أن تلك الحملات أتت ثمارها فكان الصلح بل وانضمام وحدات عسكرية ليبية للجيش المصري في عهد الملك رعمسيس الثاني حيث نقش ذلك على مسلاته بتانيس . وفي عهد الملك مرنبتاح (الأسرة التاسعة عشر ) سجل على نقوش معبد الكرنك وعمود القاهرة ولوحة اتريب وأنشودة النصر عن انتصاره  على التحالف الذي يضم كل من الليبو والقهق والمشوش مع شعوب البحر التي تتمثل في خمسة أقوام وهم (الأقاواشا) و(التورشا) و(الشردان) و(اللوكا) و(الشكلش). ويرى فيهم الباحثون على الترتيب (الآخيين) و(الاترسكيين) و(السردينين) و(اللوكيين)و(الصقليين) وقد توجه هؤلاء جميعا نحو الدلتا لاحتلالها لغرض الاستقرار بها وكان يقودهم في هذا الهجوم زعيم قبيلة الليبو مرى بن أدد. كما تتحدث بردية هاريس الكبرى عن هجوم قبائل الليبو على منطقة الدلتا حيث  اراد  الفرعون أراد أن يفرض على الليبيين ملكا منهم رباه في قصره ولكن الليبيين رفضوا هذا الحاكم لأنهم رؤوا فيه الفرعون نفسه. أما نقوش ولوحات معبد رمسيس الثالث الجنائزي  في طيبة الغربية فتدل  على هجوم قامت به قبيلة المشوش ضد منطقة وادي النيل وقاد هذا الهجوم زعيم المشوش كبر وابنه مششر وتعتبر بردية هاريس ونقوش ولوحات معبد هابو التي دونت في عهد رمسيس الثالث آخر الوثائق الهامة التي تتحدث عن القبائل الليبية القديمة التي احتكت بمنطقة وادي النيل في العصور القديمة.
مع بداية الأسرة الثامنة عشرة المصرية بدأ المشوش يتجمعون حول حدود مصر الغربية  للإقامة الدائمة حول دلتا وادي النيل فحاربهم المصريون ورغم أنهم وحلفاءهم الليبو فشلوا في الوصول إلى دلتا النيل عن طريق الحرب  فلجأوا للاستقرار في الكثير من مناطق مصر سواء في حاميات الحدود أو بانضمامهم إلى الجيش كجنود مرتزقة . وقد كان الجيش المصري ابتداءً من الأسرة العشرين يتكون من الليبيين دون سواهم وقدم لهم  ملوك مصر في ذلك الوقت الأرض كأجور  فتكونت جاليات عسكرية كانت القيادة فيها لليبيين دون سواهم حتى وصلوا  إلى مناصب هامة في البلاط الملكي وإلى مراكز القيادة في الجيش وأن بعضهم -مثل شيشنق- استطاع أن يتولى الحكم في بعض مناطق مصر حيث جمع بين يديه السلطتين المدنية والدينية فاستولى على حكم مصر فور وفاة آخر ملوك الأســرة الواحدة والعشرين وبذلك استطاع المشوش تكوين الأسرة الثانية والعشرين التي حكمت مصر قرابة قرنين من الزمان .
وفي التاريخ الاسلامي تعود لنا بوابة مصر الغربية ليأتي منها الفاطميون حيث حاول الفاطميين الاستيلاء على مصر مرتين فى عهد خليفتهم الاول المهدى ابو محمد ولم ينجحوا  ثم محاولة فاشلة أخرى  فى عهد ابنه القائم بأمر الله . و الرابعة كانت في عهد خليفتهم الرابع المعز لدين الله حيث كانت الفرصة مهيأة لدخوله مصر فكلا من الدولة الاخشيدية التي كانت تحكم مصر والتي كانت خاضعة للدولة العباسية كلاهما في مرحلة ضعف فسيطر الترك على الدولة العباسية وقامت ثورة الزنج في اقليم البصرة وثار القرامطة و وصلوا للحجاز وأخذوا الحجر الأسود لمدة اثنتين وعشرين سنة وأعيد مقابل مبلغ ضخم دفعه الخليفة العباسي , أما مصر فقد تدهورت الأوضاع بعد وفاة محمد بن طغج الاخشيدي وتولى كافور الاخشيدي الحكم بالرغم من أخماده الثورات وانتصر على الحمدانيين الذين آتوا من الشام , إلا أنه بعد وفاته ساءت الأحوال الاقتصادية بشدة وكثر الصراع بين الجند , واقترب القرامطة من الحدود الشرقية , وقبل دخول الفاطميين مصر , كان دعاتهم منتشرين بين أهل مصر ليبشروا به ويروجوا بأنه سوف يصلح أحوال البلاد والعباد .
فأرسل  المعز لدين الله قائده جوهر الصقلى عشان بجيش على مصر فدخلها(  969م – 358 هـ) و خرج وفد من اعيان مصر من الفسطاط وتمت  اتفاقيه بست بنود هى :اعزاز المصريين و حمايتهم, . اصلاح الأحوال القتصادية . تأمين طريق الحج من  القرامطه , ترميم الجوامع و تزيينها و الصرف على المؤذنين و الائمه من بيت المال , ضمان  الحريه الدينيه للمصريين في حق اختيار مذهبهم , ضمان  الحريات الدينية المسيحيين و اليهود.
وقد رضى عامة المصريين بالاتفاقيه و انقسم العسكر الاخشيديه والكافورية عن الناس و ارادوا المواجهة  ولكنهم هزموا بسبب تفككهم . و أنشأ جوهر القاهرة العاصمة الجديدة فكانت الظروف مواتية لاستقبال الخليفة الفاطمية المعزلدين الله الفاطمي في( 362هـ – 972م ) . الذي قدم من الغرب من تونس .
أما في العصر الحديث وبعد قيام الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) م , كانت مصر لا تزال تعاني من سيطرة بريطانيا العظمى عليها , فكانت تتخذ قواعد عسكرية لها على أرض مصر ولذلك كانت هدفا للهجوم من دول المحور واكن الاشتباك حتميا بينهما على أرض مصر خاصة وأن قوات المحور كانت دخلت شمال افريقيا فكانت معركة العلمين الأولى قرب قرية العلمين في مصر  في الفترة 1 يوليو إلى 26 يوليو 1942، بين  الجيش الثامن البريطاني ممثلا الحلفاء وكان يتكون من قوات ( بريطانية , هندية  بريطانية , نيوزيلندية ,  أسترالية ,  اتحاد جنوب أفريقيا ) و قوات المحور ( ألمانيا , ايطاليا ) بقيادة إرفين رومل “قائد قوات المحور و الذي بدأت قواته بالتحرك من برقة ووصلت الى طبرق متغلبة على الجيش الثامن الذي تراجع لمصر واثبت كفاءة كبيرة في التغلب على نقص الامدادات , وفي ذلك الوقت حدث خلاف بين القائد روميل والمشير كسلرنج حول سير الخطة حول خطة المعركة ولكن روميل تمسك برأيه وتقدم إلى مصر قبل أن أن تعيد القوات البريطانية تنظيم قواتها , وتغلب روميل على نقص الوقود بالاستيلاء على مخزن وقود بريطاني في محطة سكة حديد , ثم تقدم الى مرسى مطروح , واراد حصار القوات البريطانية التي انسحبت للشرق , فهاجم الطيران البريطاني قوات المحور فأبطأ تقدمهم , لكن روميل اشتبك مع بعض القوات النيوزيلندية والهندية بمرسى مطروح بمعركة كبيرة انتصر فيها روميل , وتقدم نحو الاسكندرية , فأسر روميل 7000 جندي , اضافة الى الفوز بتموين وعتاد حربي , ثم اقترب من العلمين فانتظره أوكنلك قائد الحلفاء مابين ساحل البحر ومنخفض القطارة ليصعب على روميل اجتيازه بمركباته .
وقد واجهت روميل نقص الامدادات حيث كانت المسافة بعيدة عن طبرق , والتحم الجيشان حيث ركز الحلفاء على الايطاليين الذين انهزموا , ولكن أنقذهم الألمان بصعوبة , ثم توالت الصعوبات أمام الجيش الأماني من مواجهة حقول الألغام , القصف البريطاني الذي تغلب على مدفعيتهم , هزيمة الفرق الايطالية وأسر جنودها .
تكبد الجانبان خسائر كبيرة من الجنود والعتاد , واستمر وجود المحور , ولكن تم ايقاف زحفهم للاسكندرية , حيث طمعوا في الاستيلاء على قناة السويس . وعزل تشرشل القائد البريطاني أوكنلك واستبدل مكانه هارولد ألكسندر و برنارد مونتغمري , ووقعت مواجهة أضخم فيمايسمى معركة العلمين الثانية (23 أكتوبر – 11 نوفمبر 1942) وذلك بعد أن فشل روميل في اختراق الخطوط البريطانية فاضطر لانتظار الهجوم البريطاني التالي على أمل أن يقوم بصده على الأقل. وفي يوم 23 سبتمبر 1942 سافر روميل إلى ألمانيا لتلقي العلاج، تاركاً وراءه  فون شتومه  قائداً لقوات المحور في شمال أفريقيا.في 24 سبتمبر، أثناء طريق العودة، التقى بموسوليني، وشرح له مشاكل الإمدادات ولكن الاخير لم يقدر الوضع
أما الجيش الثامن البريطاني كانت تصله الامدادات من بريطانيا والولايات المتحدة عن طرق مينائي الاسكندرية والسويس , وعند وصول امدادات للمحور كانت تتعرض للغارات البريطانية عن طريق مالطة ومن الفدائيين من الصحراء ,
في يوم 24 أكتوبر يتوفى القائد الألماني فون شتومه، ويتولى القائد الألماني ريتر فون توما  قائد الفيلق الأفريقي مهمة قيادة قوات المحور لحين وصول رومل.
مساء يوم 26 أكتوبر يصل رومل إلى الجبهة بعد رحلة طويلة، ويحاول قدر الإمكان الحفاظ على الجبهة متماسكة
فيبدأ الحلفاء بشن الهجوم بالمدفعية وصلت رسالة بالراديو من هتلر بالصمود , فشك روميل وأمر قواته بالانسحاب وعندما تأكد من صحة الرسالة كان الهجوم يزداد شدة من الحلفاء , وأسر القائد الألماني فون توما قائد الفيلق الافريقي , واستغل المحور هطول الامطار للانسحاب دون التعرض لهجوم الحلفاء فوصلوا لمرسى مطروح بعد التأكد من هزيمتهم , ونزل الحلفاء لشمال أفريقيا واستمرت المطاردات لجيش المحور لتنتهي في تونس وتنهي وجود المحور في أفريقيا .
وكانت معركة العلمين معركة غيرت موازين القوى لصالح الحلفاء , وخرج المحور من مصر بعد أن تعرضت الاسكندرية للعديد من الغارات التى اضطر بعض سكان الاسكندرية لهجرها , وضمت بذلك لجملة المعارك الفاصلة التي غيرت التاريخ والتي دارت على أرض مصر .
والمناخ العام ينذر بظهور الخطر على الحدود الغربية وكعادة جيشنا سوف يحافظ عليها , حفظ الله مصر أرض الأمن والأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى