ثقافات

الباخرزي ودرر الشعر العباسي

الباخرزي ودرر الشعر العباسي

وليد عويد حسين
لا شك في أن النص الشعري الجاهلي يعدُّ قاعدة هرم الأدب العربي، ذلك النص الذي جاء مستكملًا لكل جوانب النضج الفني، الأمر الذي جعل النقاد يعدونه تلك القلعة الحصينة التي تكسرت على جدرانها كل معاول التجديد في ذلك الوقت، وكذا الحال مع الشعر في العصر الإسلامي والأموي
حتى جاء العصر العباسي فدخل النص الشعري تحت مظلة التجديد والتحديث نتيجةً حتمية لما مرت به مفاصل الحياة عامة، وليس الأدب فحسب، من تمازج الحضارات وتداخل الأمم الأخرى مع الحضارة الإسلامية، فكان أن دخلت القصيدة العربية مرحلة جديدة اصبحت نقطة الارتكاز لما تلاها من محاولات التجديد والتحديث للنص الشعري العربي؛
ذلك التحديث الذي أعطى القصيدة العباسية وجهًا آخر يختلف من حيث التحديث عن سابقه من الوجوه، واعطى شعراءه الملكة الشعرية العالية في ايراد أجزل الألفاظ وأعذب المعاني، ومن هؤلاء الشعراء علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي تـ 467هـ فحل من فحول الشعر في العصر العباسي،
وهو الشاعر الذي لم تسلط عليه الأضواء لا سيما ديوانه …، حظى شعره بالثناء والإطراء من جميع الذين ترجموا له، فقد كانت له حيازة القصب في نظم الشعر والنثر في عصره، فهو شاعر ذا غزارة شعرية كبيرة لم يصل إليها شاعر قبله إلا القليل .
حاز ديوان الباخرزي على تقدير المؤرخين والادباء وثنائهم، لما لهُ من قيمة أدبية كبرى، ولغة عالية، ذائعة الصيت.
يقع ديوانه المتناول بين أيدينا على 808 صفحة، وقد ضم بين دفتيه ثلاثة عشر ألف بيت أو يزيد قليلاً، وحوى الديوان على بعض الشعر الفارسي الذي قام الشاعر بترجمته للعربية، لأنه شاعر ذو لسانين فارسي وعربي.
بلغ عدد قصائده مئتتين وسبعًا وتسعين قصيدة، ومن المقطوعات إحدى وأربعمائة، لم يدع الباخرزي في ديوانه غرضاً من أغراض الشعر المعروفة في عصره إلا وتناولها وأجاد النظم فيها، ولعل المديح أكثر الأغراض تجليّاً في قصائده، فقد احتلّ هذا الغرض ثلثي الديوان، وكانت قصائد المديح من أطول القصائد مقارنة بالأغراض الأخرى، ويلحظ القارئ أن جل هذه المدائح جاءت منصبة في مدح الوزير السلجوقي نظام الملك، فقد جاءت مدائحه شبيهة إلى حدٍ كبير من مدائح المتنبي في سيف الدولة، فهو والأخير سيّان في مذهب القول والأنا.
ثمَّ يأتي الغزل الذي لا يقل مكانة في الديوان، نظّم الشاعر فيه القصائد والمقطوعات التي جاء بعضها في فواتح المدائح.
أما الهجاء فقد جاء منصباً على خمسة اتجاهات: السياسي، والاجتماعي، والشخصي، والأدبي، والمدن وأهلها. ويلي هذه الأغراض (الاخوانيات)، وهي ((ضرب من الشعر يجري فيه الشاعر مجرى المراسلات مع الأصدقاء من المسؤولين، والفقهاء، والقضاة، والادباء))، تمثّل فيها تواضع الأصدقاء وروح المجاملة الادبية، في حين نجد الرثاء قد وزعه الباخرزي بين آل البيت عليهم السلام، وأهله، وبعض أصحاب النفوذ والشأن. وللعتاب، والشكوى، والخمريات، والوصف، والزهد، والحكمة، والطرديات، نصيب من ديوانه الشعري، وهي متنوعة ما بين قصائد ومقطوعات.
يلحظ القارئ تجلي اللغة الشعرية العالية لدى الشاعر في ديوانه، تلك اللغة التي تحكمها قضية التشفير تارة وقضية المفارقة الشعرية الانزياحية تارة أخرى ولاسيما في مختتم النص الشعري عنده، هاتان القضيتان استطاعتا إعطاء قصائد الباخرزي وجهًا آخر غير متداول في النص الشعري السابق، إذ تميزت تلك اللغة المعجمية بوجود الكثير من المثيرات الجمالية فيها كالصورة الشعرية وغيرها، فضلًا عن تميزها بالإيحاءات الكثيرة التي تصل أحيانًا إلى حد الغموض الإيحائي المتفرد،
كما جاءت بعض المعاني في نصوص الباخرزي كاشفة عن حقيقة ذات الشاعر ومعبرةً عن تجربته في الحياة وحالته النفسية، إذ استطاع أن يعكسها من خلال هذه المعاني بغية ايصالها إلى القارئ تامة المعنى، ومن جانب آخر ساعدت تلك المعاني القارئ على كشف تلك التناقضات والمفارقات التي كانت تواجه الشاعر في حياته.
وكما اعتمد الباخرزي بشكل كبير على آليتي الحذف والاضمار اللغويتين في بناء قصائده، وهذه تعد من فرائده في هذا الميدان، فهو في أحيان يفصح للقارئ عن مراده، وفي أحيان أخرى يدع الملامح في الطرف الآخر مختبئة تحت عباءة الحذف والاضمار تاركًا للقارئ مهمة الكشف عن ملامح ذلك الطرف الغائب،
وهذه دلالة على تمكن الشاعر من صنعته الشعرية وباعه الطويل في هذه الصناعة، وكما أجاد الشاعر استخدام آلية حسن التخلص وكيفية الانتقال من موضوع إلى آخر ثم العودة مرة أخرى من حيث ابتدأ، فهو يقوم بتدوير معانيه ذهابًا وايابًا بطريقة دينامية ميكانزيمية تشبه تلك الآلة التي يقوم طرفاها بإدارة أحدهما الآخر بطريقة آلية مستمرة،
وكما اتكأ الباخرزي في كثيرٍ من نصوصه على آلية التناص ما جعلها اشبه بظاهرة قائمة ومتجلية على امتداد ديوانه، ومن خلال ثنائية (الحياة / الموت) – كأنموذج أقدمه- نلحظ براعة الشاعر وكيف استطاع بقدرة شعرية رائعة أن يوظف آلية التناص ليجعل الثنائية أكثر وضوحًا، ذلك ما نستقرئه في قوله من الوافر:
وفتّق خرز باخرز الرزايا
وزاحمت الكرامُ بها اللئامُ
وناطح سيلُ واديها رباها
وجاوز حدَّ طُبْيَيْها الحزامُ
فأحيت راحتاك موت أرضٍ
معطلةٍ تبيَضُ بها النعامُ
وأزلفت الجنان لساكنيها
وفضَّ عن الرحيق لهم ختامُ
في النص هذا لعبت دلالات التناص الضمني التأثيري الإشاري مع النص القرآني الكريم دوراً فاعلاً في إبراز دلالات طرف الحياة الإيجابية التي مثلت طرف الثنائية الأول (الحياة ) التي جاءت صورتها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بشخصية ذات هيمنة وتسلط، تلك التي أشار إليها الشاعر من خلال الضمير (الكاف) في (أحيت راحتاك- يداك)
كانتا وسيلة تحقيق طرف الحياة الأول في النص، فكانت نتيجة ذلك الإحياء ( وأزلفت الجنان لساكنيها ) في إشارة تناصية مع قوله تعالى في سورة ق : الآية 31. فبداهة لا جنّة متزينة مقربة متذللّة لسكانها دون وجود حياة آمنة متحققة وكذلك قوله : (وفضّ عن الرحيق لهم ختام ) في إشارة إلى قوله تعالى : في سورة المطففين : الآية 25، حيث ليس للإنسان التنعم بالنعيم دون وجود مظاهر الحياة الآمنة في بيئته، في حين تجلت دلالات طرف الثنائية المضاد الآخر (الموت الذي جاء على جهة السلبية في قوله : ( موت أرض معطلة تبيض فيها النعام)
في إشارة إلى كونها أرضاً جرداء صحراء – رمز الموت – لا حياة فيها سوى لتلك المخلوقات التي من طبيعتها تحمل ضروب الحياة القاسية ( تبيض بها النعام) ولقد لعبت دلالات (أرض معطلة) دوراً في إبراز سلبية طرف الموت في النص في إشارة تناصية مع قوله تعالى : في سورة الحج : الآية 45. كما أن دلالات الآية تشير بوضوح تام إلى الخراب والخواء والتعطيل التي هي من لوازم الموت والهلاك .
إنّ ثمة ملاحظة مهمة يلحظها قارئ نصوص الشاعر مفادها أن الشاعر لا غنى له عن كل الاساليب البلاغية في صناعة النص الشعري كونها الآلية الأبرز التي من شأنها إيضاح معالم القصائد عنده، نلحظ ذلك في هذا الانموذج في ثنائية (الشباب /الشيب) لنرى مدى براعة الشاعر في توظيف الأساليب البلاغية، قوله من (الكامل):
ولقد بكيتُ على الشبيبة واجمًا
ولَطالما اعتادَ البكاءَ الواجمُ
سَنَّى غرابَ البَين بَين غرابِها
وأطاَره بازي المشيب الجاثمُ
ماللبزاة وإنّها الأيامن
جَعَلَتْ فِدى الِغربان وهيَ أشائمُ
ليس الشبابُ حبيبَ نفسي دائماً
ليت المَشيبَ عَدُوُّ روحي دائمُ
في هذا النص نجد اساليب البلاغة حاضرة من كناية وجناس واستفهام ونفي كلها تتضافر من حيث التطابق والتنافر والايجاب والسلب من أجل إبراز صورة الثنائية الضدية في النص وجذب انتباه القارئ إليها، ولأجل توضيح صور التضاد في النص برزت معاني (بكيت على الشبيبة) حيث تحقق بكاء الشاعر (ولقد)
على أمر قد تحقق ذهابه مع عدم ضرورة عودته (الشبيبة) إلى جانب تطابق صورة التجنيس مع صورة بكاء الشاعر في (واجهات الواجم) ثم يجنح الشاعر إلى الاساليب الشعرية المجازية بغية إضفاء نوع من الغموض الفني على معاني النص لإبراز ملامح التضاد في النص في مثل (غراب البين – بازي المشيب) فصورة (الغراب – كناية عن ضعف الشباب – وصورة البازي – كناية عن قوة حضور المشيب في رأس الشاعر) بدلالة (أطاره)،
ثم تحضر في البيت الثالث آلية المفارقة الشعرية المتضمنة قلب دلالات الصور (السابقة) باقترانها بالأسلوب الاستفهامي، إذ جعل الشاعر صورة (البزاة – البازي – رمز القوة واليمن – ما للبزاة وأنها الأيامن – على عكس دلالتها الموضوعة لها – جعلها فداء للغربان – الغراب – طائر الضعف والشؤم – لسبب يحمل خطه من الوجاهة وهو أن سواد الغراب يشير إلى سواد الشعر رمز الشباب، رغم كرهه أي الغراب، في حين أن البازي رغم تفاؤل الناس به
لكنه أشار إلى دلالة الشيب لذا اقتضى القور منه وجعله فدى الغربان وهي أشائم)، ثم تنسحب بعض دلالات تلك المفارقة إلى خاتمة النص لتبرز صورة التضاد بشكل أكثر وضوحاً من خلال دلالة (النفي – السلب) في صورة (ليس الشباب حبيب نفسي دائماً – كونه آيل إلى زوال مهما طال مكثه) و (ليت المشيب عدو روحي دائم – أي انه حيث يترك في رأس الشاعر لا شك في دوامه حتى الممات)، فحقيقة التمني هنا تكشف عن رغبة الشاعر في تحقيق شيء مع عدم امكانية تحققه فهو يُشعر السامع من أول الأمر بامتناع هذا النفي واستحالة وقوعه.
أن من أساليب الباخرزي الشعرية البارزة في ديوانه، تلك التي توحي أفكارها بشيء من الغرابة والغموض والإثارة والدهشة، أنه عمد إلى اختيار الأسلوب الرمزي والإشاري الكنائي والإيحائي في كثير من أشعاره، ونعزو ذلك لغرض الابتعاد بنصوصه عن التصريح الذي يؤدي إلى إدخالها دائرة السطحية العادية المملة، وأن هذا العدول عن مألوف المعنى والإشارة بالمعنى عن المعنى الآخر لهو الأمر الذي يؤدي إلى ادخال تلك النصوص مجال الشعرية الحقيقية، وعلى صعيد آخر تؤدي تلك الأساليب إلى إبراز المعاني ومدى فاعليتها في خدمة النص الشعري عنده .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى