مفالات واراء حرة

الإعتراف الأمريكي بين الإنتصار والخسارة

الإعتراف الأمريكي بين الإنتصار والخسارة

محمد السعداني / صدى مصر مكتب المغرب 

طفت على صفحات التواصل الاجتماعي سلسلة من التراشق باتهامات التخوين والتواطؤ بين مجموعة من المغاربة الذين تلقوا خبر اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء بمنتهى السخط والتبرم . فذهب بعضهم إلى تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني لأنه يعكس بصورة جلية انعدام الضمير ،ويدق مسماراً آخر في نعش القضية الفلسطينية . أما البعض الآخر ، فقد آثر أن يرى الامور بمعيار النفعية والمصلحة، ليجعل من هذا الاعتراف انتصارا دبلوماسيا يهب المغرب درعا واقيا للتصدي لمجموعة من الأطماع الخارجية التي كانت تتربص له في الخفاء .

والحال أنه ليس من السهل بالمرة الركون إلى موقف حاسم إزاء ما قام به المغرب، لأن الوضع مركب جدا، ومختلف تماما عن كل الظروف السابقة، نظرا لإختلاف السياقات التاريخية بين الأمس واليوم، وكذا تباين المواقف السياسية والتوازنات بناء على أجندات ورهانات جيواقتصادية وسياسة. فالمغرب كان في موقف لا يحسد عليه ،فإما أن يمنطق الوضع بشكل براغماتي ويحسن استغلاله لصالحه، وإما أن يخسر أمنه الداخلي ويفسح المجال لنشوب نار تأتي على الأخضر واليابس ،وتحدث رتقا يتسرب من خلاله كل الطامعين والمتربصين لوحدة المغرب وسيادته وأمنه.

أنا لست ضد الحشود الغاضبة التي تدين التطبيع ، لأننا جميعا مع القضية الفلسطينية ، وما أحوجنا إلى قوة شعبية ضاغطة تعيد للقضية وزنها ونضارتها . كما لا أسجل تحيزي لموقف المغرب ،لكني أحاول أن أستخدم منطق الربح والخسارة ، فالمغرب إذا كان يسير بقدمين قادر على دعم فلسطين ، لكن إذا كان ناقصا فلا حول له ولا قوة، وفاقد الشيء لا يعطيه.

إن الدونكيشوطيات و الطوباوية لم ولن تفلح في تحرير شبر واحد من الأراضي الفلسطينية، فالغلبة دائما لمنطق القوة ، ونحن مفعول بنا، سواء طبعنا أم لم نطبع . وحتى نكون واقعيين فعلاقة المغربية بالصهاينة كانت قائمة رسميا منذ 1994 على صعيد مكاتب الاتصال، بيد أن المغرب أوقفها كنوع من الإحتجاج على العدوان الإسرائيلي على غزة إبان انتفاضة الأقصى الثانية سنة 2000. ليعاود بعد عشرين سنة فتح هذه العلاقات لكن مقابل غنيمة سياسية تضمن للمغرب سيادته ووحدته.

من أجل ذلك ، وبعيدا عن كل العواطف المتسارعة و الهوجاء، علينا أن نقر جازمين أن التاريخ تصنعه القوة، وأن القرارات النافذة تكون دائما لصاحب السطوة والنفوذ، و من تعوزه القوة ستزج به عنترياته لا محالة إلى الهاوية وإلى تكديس الهزائم تلو الهزائم.

إن موقف المغرب لم ينبع من فراغ، ولم يأت كخطوة متسرعة تخبط العشواء ، فالقرارات السياسية المصيرية التي تهم قضايا الوطن ومصالحه الكبرى تبنى بعد تمحيص دقيق للوضع من خلال الإستناد إلى معطيات السياسية الدولية وقواعد القانون الدولي بعيدا عن الحماسة الجوفاء ، والأفكار الطوباوية التي تغرق في الدعوة إلى المثاليات دون طائل يذكر. فهل تظنون أن الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية ستحمي المغرب إذا تكالبت عليه من جهة الشرق جيوش الجزائر المدعومة من طرف روسيا وفرنسا وجنوب إفريقيا والنيجر ومالي…ومن الجنوب أذناب البوليساريو الذين يشرفون على تفريخ الدواعش …؟؟؟

إن ما يعيشه المغرب اليوم في ظل التحالفات الماكرة والغدر المضمر هو الدافع إلى استخدام المنطق الميكيافيلي، فكان لزاما عليه أن يترفع عن منطق الأخلاق ويلعب اللعبة باللغة التي يفهمها خصومه وفق شروط النفعية والمصالح فحسب.

لكن هناك أسئلة تفرض نفسها وبحدة وعلينا أن نطرحها بوضوح حتى تخرج للعلن ربما يسعفنا التحليل لاحقا لحل شيفراتها وإماطة الاستفهام عن حواشيها:
_ ما الذي قدمه المغرب للولايات المتحدة _زيادة على إعادة العلاقات مع إسرائيل _حتى ينتزع منها الإعتراف ؟
_ ما حدود العلاقات المغربية الصهيونية؟ وهل يتعلق الأمر فقط بإخراج العلاقات القائمة فعلا من السر إلى العلن ؟
_إذا كان الأمر يتعلق بغنائم ، فما الغنائم التي قدمها المغرب للأمريكان حتى ينال الإعتراف بسيادته على الصحراء؟ وإذا كان الأمر يتعلق بابابتزاز ، ما الإبتزاز الذي مارسه المغرب على الولايات المتحدة الأمريكية حتى تغير رأيها بين عشية وضحاها ؟
_ هل سينتزع المغرب من إسرائيل أيضا اعترافها بسيادته على الصحراء ، أم أن إسرائيل ستستمر كعادتها في التلكؤ وسياسة الكيل بمكيالين….؟
ما السر في تزامن الإعلان عن مرسوم الإعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان(10 دجنبر) ، علما ان التأشير عليه تم في الرابع من دجنبر2020 ؟؟؟

إن الإختيار المغربي القاضي بإعادة فتح العلاقات مع الكيان الصهيوني ، لا محالة سيؤجج مشاعر الغضب لدى فئة عريضة من الشعوب المغربية والعربية على حد سواء.لكن المهم أن نحمي الوطن اولا، والأهم أن يتعامل المغرب مع الوضع الراهن بمنطق القوة المتوازن ولا يخضع للإستدراج والتوقيع على إتفاقيات في الخفاء تقيد حريته وتجعل من الإعتراف تفاحة مسمومة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى