اخبار عربية

إعلامنا العربي.. عقد من اللآلئ والحصى

إعلامنا العربي.. عقد من اللآلئ والحصى
سامر منصور
ضخ الدماء الجديدة.. مراعاة التخصص الإعلامي.. وضع الكفاءة المناسبة في المكان المناسب.. كلها محض شعارات يرفعها الإعلام العربي الرسمي وتبقى القنوات التلفزيونية تخسر جمهورها الذي يرى فيها توائم سيامية.. يتغير شعار القناة بينما سوية البرامج وأنماطها متقاربة ويبقى الجديد والمفيد كإبرة في كومة من شعير التكرار والإبتذال الذي يجتره معدي برامج من أنصاف المثقفين في أحسن الأحوال.. ومذيعات يحضرن قبل أيام من التسجيل ماذا سيلبسن وماذا سيفعلن بشعورهن من تسريحات وصباغ ولايعرفن شيئا عن ضيوفهن إلا قبيل المقابلة التلفزيونية بلحظات.. إلا إذا كان الضيف مطربا أو راقصة.
ومن الملفت للنظر صعود قنوات تلفزيونية من سورية في سنوات الحرب تمتلك كوادرها من الحرفية والأداء الجيد مايحقق قفزة نوعية في الإعلام السوري عموما.. كقناة الميادين مثلا.. وبذات الوقت نشاهد برامج بين الحين والآخر على سوية عالية وكأنها النخلة الباسقة وحولها الحشائش.. ورغم تغير الوزراء والمدراء العامين للهيئات العامة العربية للتلفزة إلا أننا لانلمس فرقا عميقا فيما يتم تقديمه.. وإذا ضربنا مثالا توضيحيا لتبسيط المسألة.. إن أحضرنا طاهيا عاديا ووضعنا بين يديه الرز والبازلاء فسيصنع لنا طبقا من الرز والبازلاء وإذا أحضرنا أفضل طهاة العالم ووضعناه في أفخم مطابخ العالم ووضعنا بين يديه الرز والبازلاء فقط فلن نستفيد شيئا لأنه لن يعد لنا سواء طبق الرز والبازلاء مجددا.. ماأريد قوله ، طالما المحسوبيات والواسطة هي مايمكن معظم موظفي المؤسسات العامة الإعلامية من الوصول إلى مراكز معينه فيها ، فلن يحدث تغيير مدير هنا ورئيس قسم هناك ذلك الفرق الشاسع.
وفي ظل تطفيش المستسهلين والسطحيين من معدي البرامج للجمهور فالضحية الأولى هو الإعلامي أو المعد المجتهد المتميز الذي يسهر الليالي ليصوغ برنامجا رائدا لكن مع الأسف على قناة فقدت متابعيها منذ زمن.
وإذا أردنا أن نخص الإعلام في سورية بكلامنا فنحن نجد كارثة حلت بقناة سورية دراما عبر ضخ حزمة من البرامج الشبابية والتي جاءت قمة في الابتذال والسطحية خاصة تلك التي تتناول الأحداث في سورية حيث تم إقحام عدد من الشبان المبتذلين المفلسين ثقافيا في تلك القناة المميزة وذلك تقريبا قبيل شهر رمضان الماضي لتتحول العديد من ساعات البث إلى سيرك وتهريج مبتذل والتعامل مع المشاهد بمباشرة وتكرار للفكرة وافاضات وكأن المشاهد متخلف عقليا أو معتوه عوضا عن تقديم مايرتقي إلى حجم هموم وجراح المواطن السوري الصامد والمحب للحياة على نحو أدهش العالم.. ولفرط تدني مستوى البرامج التي قدمها الشباب شعرت أن الأمر مقصود ربما من قبل الجيل الأكبر سنا كي يتم العودة إليه لانقاذ القنوات السورية من السخافات التي وقعت فيها على أيدي الشبان.
ومن جهة أخرى نجد طاقات إعلامية متميزة في بلد يشتهر بأنه يصدر المبدعين من الإعلاميين إلى كافة قنوات الوطن العربي إلى جانب اللبنان.. واليوم اختار الكثير من إعلاميينا المثقفين المميزين البقاء ضمن الإعلام السوري الوطني وفاء لإيمانهم أن وطنهم مظلوم وعليهم اتصافه لابل شهدنا فسخ عقود من قبل إعلاميين سوريين وعرب محبين لسورية مع فضائيات عربية كبرى تعتريها شبهات التحريض على العنف في المنطقة العربية.. حيث عاد هؤلاء إلى قنوات سورية ولبنانية يرونها أكثر انصافا ونزاهة.
ولن أقول علينا النظر إلى نصف الكأس الممتلئ.. فالكأس كله ممتلئ لولا المحسوبيات والمستسهلين في هذا البلد العظيم الذي كان قبل أن يعصره أخطبوط الفساد ، بلدا رائدا تتطلع إليه الكثير من الدول العربية بعين الحسد.
وبالحديث عن الكأس المترعة ثقافة وإبداعا وألقا سأكتفي بالإشارة إلى برنامج ثقافي كي لا أطيل الحديث.. فالبرامج الثقافية التنويرية اللانمطية والتي اسهمت في حراك الوعي الجمعي سموا نحو وعي سوسيولوجي يليق بهذا البلد الحضاري العظيم كانت حالات طفروية مع الأسف وعجزت لكونها نادرة كبيضة الديك عن تشكيل حوامل وروافع لقنواتها على النحو المأمول.. باستثناء بعض الحالات كما في قناة نور الشام حيث من المفارقة بمكان أن أهم مفكري ومثقفي اليسار السوري يجدون عبرها منبرا حرا واسعا لنشر الفكر التقدمي والتنويري وذلك ليس لأنهم يساريين بل لكونهم أميز المثقفين في الوقت الراهن ويتم استقطابهم من قبل قامة إعلامية سورية لديها من البصيرة والثقافة مايكفي ليكون بوصلة نحو خطاب إعلامي معرفي واقعي يجسد بانوراما للحدث السوري ومنعساته على الأصعدة السوسيولوجية والسيكولوجية على ضوء قراءات انثروبولوجية في كنهها.. وأنا أعني هنا الإعلامي جمال الجيش وضيوف برامجه الثقافية.
وبما أننا ركزنا في هذا المقال على الدماء الجديدة فلابد من التنويه بالنتائج التي يحدثها وضع الشخص المناسب في المكان المناسب والتي كنا نلمسها في قناة تلاقي التي تم وأدها.. ونلمسها اليوم في برنامج قوافي وقد اخترت هذا البرنامج للحديث عنه كونه برنامج ثقافي وكون المتضرر الأول وحتى على الصعيد النفسي هو المثقف السوري.. فإذا كانت أسئلة الإعلاميين السطحية والبلهاء في بعض الأحيان (تجلط) العوام وتتحول إلى مادة كوميدية يتداولونها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، فما بالكم بالإنسان المثقف العميق الذي يرى هذا الثغاء يجتاح أثير أرض الغار والياسمين!!
برنامج قوافي هو برنامج يسلط الضوء على تجارب أهم الشعراء.. أهم الشعراء حقيقة وليس بمعايير اتحاد الكتاب العرب أو غيره من المؤسسات التي أخذت تشغل المبدعين بنفسها مؤخرا ربما بقدر ماتشتغل لهم..
إن بوصلة ومعد برنامج قوافي هو شاعر شاب مثقف مطلع على النزر اليسير من آداب المشارق والمغارب ، منفتح على المدارس الشعرية وكون الثقافة تربطها علاقة طردية مع الغرور الذي يعتري إعلاميينا عادة.. فمعد برنامج قوافي متواضع ويتمتع بأخلاقه العالية بشعبية لدى المثقفين السوريين وغيرهم.. إنه الإعلامي الشاعر علي الدندح الذي يقدم الشعراء بالمحبة والشعر ويحاورهم وكأننا نسمع روحا في جسدين كأننا نسمع النجوى.. بهذا الدفء وهذا الرقي تضمحل الأنا وتذوب فيغدو المحاور والمحاور نايا وعودا .. مجذافا وشراعا.. يبحران بنا في فضاءات فن الشعر.. ديوان الروح الخالد.
وسط عصر الإعلاميين الموظفين الذين ينظرون إلى ساعاتهم متأففين منتظرين انقضاء العمل.. من الجميل حقا أن يشعر مثقفونا بوهج المحبة والتقدير من جيل صاعد من الإعلاميين الحقيقيين الذين نتمنى ازدياد أعدادهم وتنامي الفرص المتاحة لهم.. في عصر يحسب فيه بعض الإعلاميين أن سحر إطلالتهم ورونق أناقتهم أهم ممايسمعه المتلقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى