تقارير وتحقيقات

أُمُّ عبدالله وجع الشعب وترف الساسة في العراق

(من حكايات طريق الجنة

بقلم سيدمحمدالياسري
قصة ، لكنها غصة ، لاتحتضنها الرواية ، بل دارت في مطارحات الزمان ، وعساجل المكان ، حتى سُميَّ شارع من شوارع المقبرة بشارع ( أم عبدالله ) الذي لم يكن بداية حكايتها بل هو المسير على مشاهد اوجاع الشعب العراقي .
قصة سأرويها لكم حكت عن نقيضين ، نعم ، نقيضان في العراق ، الوفاء ونقيضه الغدر ، الكرم ونقيضه اللئم ، الحب ونقيضه الكره ، الى مالا نهاية من اوجاع العراق الناتج من وله النقائض ، قصة بدأت من صديقي رياض حسين حين قال : هذا الشارع اسمه شارع ام عبدالله وسنمر من قربها وتراها . وفعلا مررنا وسلمنا وكان رد السلام جميل خلفه حزن عميق ، لم يكن حزن جائع او محتاج ، او لايوجد له اهل او مأوى فسكن المقابر ، صوت من خلفه تردد يجذب قصة الم يتوقد ، لا يستريح ابدا وليس له محطة ، حينها قررت العودة اليها بعد ان تخطيتها بمسافة لِأسألها : لماذا تسكنين المقبرة !؟
كانت مغبرة مشعثة ، الرمال تغطيها ، وكأنها تغتسل بالتراب ، كي يحكي لها قصة عبدالله او تسمع صوته وهي تعلق له على امتار من الشارع صورا باحجام مختلفة ، وهو طفل ، وهو شاب ، مراحل من عمر الورد الى عمر الورد لانه جاء وردة وذهب وردة ، فلم يصل لخريف من العمر بقدر ان حياته فصل ربيع .
عند عودتي عرفت اني عدت اليها ويظهر اعتادت ان يعود المارة ويطرحوها السؤال وهي تجيب بنفس الطريقة ، طريقة الام التي تفقد وليدها الوحيد ، كانت الدمعة اسرع من الكلمة ، وارتعاش الوجه الذي لم يشبعه تراب المقبرة بكاءا ليظهر مافي جوارحها ، كل شيء فيه مرسوم من وجع .
بدأت تسرد تلك القصة ، على تكرارها مبعثرة ، لانها لاتعرف من اين تبدأ ، فكلما بدأت وجدت انها بداية مؤلمة لايمكن ان تتكلم معها والبكاء يخنقها ، وسأحاول ان ارتب اوجاع ام عبدالله التي هي نموذج لوجع الشعب العراقي الذي يتراقص عليه الساسة ويترفوا فيه :
فتاة حظيت باسرة كريمة ، وحظيت بزوج ، ككثير من العراقيين رحل عنها بصمت ، كما يرحل العراقيين الى مقابرهم ، باوجاع المرض والفقر والقتل والذبح ، والحروب ، وما لانهاية من الوجع الذي لاتسمعه اذن الساسة المترفة بالغناء والمتعة واللهو والميوعة ، رحل عنها زوجها ملتحف اوجاعه ، تاركها مع طفلٍ جميلٍ اسمه ( عبدالله ) راح الاب وظلت حكايته صامته كملايين العراقيين ، وبدأت تظلل عليه حياتها ، وهو ينظر لها على انها كل شيء ، شمسه الدافئة ، واسرته الحنونة ، ونبضه المبتل بغيث الحياة ، وكل شيء له في الدنيا : أُمّه .إلا في الحقيقة ، انه هو كل شيء لها ولاترى في الدنيا شيء سواه ، فهو قد كان الامل والحياة ، حين بدأ يناغي ، وحين تقبل يداه ، حين يتكلم حفظت له اول كلمة ، وحفرتها بذاكرتها ، ثم تلت المواقف والكلمات والجمل تحفر ذاكراتها او تحل محل ذكريات ومواقف انساها صوت عبدالله ، تسير ، وتسيرمعه السنين التي تحتضنه وهو يكبر،… ويكبر، ويكبر قلبها معه ، لم تكن اصباغه واقلامه وخربشة الصف الأول الا سعادتها المطلقة ، لقد اعطته كل شيء وكانت كل احاسيسها عبدالله ، حتى باتت السنين أيام بل تلاشت كلها ثواني وهو يكبر ويكون اول بمدرسته حتى يتفوق بالمتوسطة ، يا الله ما أجمله ! (كل الاوجاع انساها الفقر ، الموت ، الحروب ، الخوف ، وعبدالله معي) يتفوق وينجح الأول وتسعد به ، في كل هذه القصة ، عبدالله بلحظة ، بليلة تبرد بها احاسيس الرذيلة والغدر ، تقتل اشباح الساسة المترفة وبقايا الساسة المتجبرة ، من دون ذنب ، حلم أم عبدالله الحقيقي ، صوتها النابض بالحياة ، خوفها المرتب من البرد حتى لايصاب بالزكام ، من الحر كي لايرهق ، من الشمس كي لاتؤلم وجنتيه الناعمتين ، فجأة من دون انذار ، يذبح عبدالله ويترك في الشارع ، وهنا بدأت حكاية امه وخرجت من وجع العراقيين الصامت ، لتبدأ قصتها من حيث المكان الذين يرتاحوا ان يودع ساسة العراق شعبهم اليه ، المقابر .
اسكنته القبر ، وسكنت روحها معه منذ ان اخذتها اللحظة المقيتة التي اعلنها ساسة الترف ، سكنت معه في المقبرة ، الروح داخل القبر ، والجسد يتوسده ، لايستطيع قلبها ان يترك عبدالله ، منذ عام ٢٠٠٧ وام عبدالله معه ، يتوسد باطن الأرض وهي تأن معه ، في المقبرة ، اصبح الاموات اصدقائها، تحدثهم عن ابنها ، وهي تنام مع ابنها في جميع الفصول ، كان عبدالله في عمر الربيع ، وكانت ام عبدالله تسكن معه في المقبرة صيفا وخريفا وشتاء وربيعا ، ليمر الزمن ويعبر وتتحدث معه فهي تشمه ، وتضمه ، هي تراه لكن الساسة يروا انها تشم قبر وتضم حجر ، لايرون شيء من حنينها ولايرون شيء من عبدالله الا انه قتله الشعب لانه طائفي ، ولم يعترفوا ان عبدالله قتله الساسة كما قتل الملايين من قبله بحروب منظمة
اليوم ام عبدالله ، تنام مع ابنها بالمقابر ، لاتكترث بصحتها وهي تلف على رجلها النايلون من ( العلاليك ) لان السكري اخذ يقضم اصابعها ، والسرطان يسري بوجع الجسم ، الا ان وجع عبدالله كان أوسع من كل المقابر ، وكل قبر يروي حكايته ان وجعه أوسع من كل المقابر ، هذا في العراق ، حين يكون الشعب ارخص شيء عند الساسة ، حين يكون ترفهم جاء من وجع الشعب .
مازالت ام عبدالله تسكن المقبرة ، ويخنقها البكاء ، لكنها مازالت ابنة العراق الحرة ، تتكأ على جرحها وتبتسم بدمعة الكريم للضيف وهي تكرم من يجيء لها على قبر ابنها وتسقي الماء ، وابريق الشاي لا زال يدفأ الانين فسواد القلب حالك حزنا والشاي لون الحياة المتعبة .. كرم الاصلة والوفاء حكاية ام عبدالله مع شجنها المنشود والم ابنها…
عبدالله … الذي كان حكاية لكل اوجاع العراق
عبدالله … وجع الأمهات فكم ام عبدالله تحكي لنا مقابر العراق …
عبدالله … بداية حكاية امه التي تحدت به ترف الساسة ، وأعلنت كلمتها ان الأموات يتكلمون ، ان كانت عادة الساسة اسكات الشعب بالموت هاهو عبدالله يتكلم …
 
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏7‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏
 
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏
 
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏6‏ أشخاص‏، و‏‏نص‏‏‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى