مفالات واراء حرة

أهم ما يُميِّز الحضارة المصريّة عَن غَيرها

أهم ما يُميِّز الحضارة المصريّة عَن غَيرها
عمرو نبيل الفار
إنّها دائِماً الحضارة الوحيدة التي تدخل في مقارنات مع مُختلف الحضارات القديمة، وفي كُلّ مظاهر المقارنات من مِلوك ومعمار وجيش وحياة ودين، تجد حضارة مصر دائماً حاضرة في المقارنة.
إذ نجد معظم شعوب العالم عندما يتحدّثون عن شيئاً ما عظيم عن حضارتهم يذكرون لنا أنّ مصدر هذا الشيء العظيم مدوَّن في ورقة بقلم كاتبٍ ما، ويعطونا رقم الصفحة كـتأكيد على إثبات هذا الشيء العظيم، بينما إذا تحدّثنا مع المصري لن يحدثنا بهذه الورقة ولا رقم الصفحة عن شيئاً ما عظيم عن حضارته، بل نجده يذكر لنا اسم ومكان ورقم الأثر الذي يتحدّث عن هذا الشيء العظيم ..
بل وأنّها أيضاً الحضارة الوحيدة التي لا تحتاج إلىَ مؤرّخ سواء قديم أو حديث يتحدّث عنها، أو عن شوَاهِدها، أو عن ملوكها، أو أحداثها، وهذا يتّضح لدى معظم الحضارات القديمة.
حيث تُذكر في كتابات المؤرّخين ويصوّرون ما يشاؤون ويبدون بـ ارائهم فيما يظنون في زيارتهم لهذا البلد، ويعظّموا من شأن أشياء لا وجود لها في هذا البلد أو الحضارة التي يتحدّثون عنها، بينما هنا نجد مصر القديمة لا تحتاج إلى هذا المؤرخ مهما كانت قيمته أو كتاباته لتأكيد معلومة أو شيئاً ما عنها، لأن قدماء المصريين دوّنوا وسجّلوا كل شيء بأنفسهم ..
وبينما معظم الملوك أو الاباطرة في معظم الحضارات القديمة، المعلومات المتوفّرة عنهم قليلة، أو غير واضحة، أو مشكوكة في صحّتها وزيفها من عدمها، ورُبّما لم يجدوا له أيّة آثار أو نقوشات اساساً سوى في كتابات مؤرخ قديم لا ينتمي لهم، كان لكل ملك مصري مقبرة خاصّة به محفوظة فيها كل ما يخصه، من جثّته -مومياءه- وشواهد جداريّة وتماثيل ومعابد كثيرة في مختلف المناطق كـدلالة على الانتشار الثقافي والمعماري والديني والاثري في أكثر من مدينة مصرية ومحافظة مختلفة ..
وبينما كانت معظم الحضارات القديمة تهتمّ بالحياة الدنيا فقط، كانت مصر القديمة تهتمّ بالحياة الدنيا والأخرة سويّاً، أي كانوا مؤمنين بما يعبدون ويخافونه في الدنيا والأخرة، وهذا يتَّضح ويظهر في الشواهد والجداريّات والاثار التاريخيّة التي ينسبون أعمالهم وإنجازاتهم إلى إلاههم لا لأنفسهم مثل معظم ملوك واباطرة الدول والحضارات القديمة.
وبينما معظم الحضارات القديمة كانت تمتلك مسلّة أو مسلّتين كشواهد تاريخيّة على شيئاً ما حدث، كانت مصر القديمة تمتلك حوالي ٣٠ مسّلة منتشرة الآن داخل مصر وخارجها، كتأكيد وشواهد حقيقية دون أن يحاول أحد أن يلفظ حرفاً واحداً بأن مسلّة منهم زائفة.
مصر القديمة هي الحضارة الوحيدة على الأرض الذي خصص العلماء عِلماً خاصّاً لها يُسمّى بـ «علم المصريات»، وبالرغم من تصنيفها على أنها الدولة الأولى والأغنى أثريّاً في العالم، تجد علماؤها يقولون: «لم يستخرج حتى الآن الا حوالي ٣٠٪ فقط من آثار مصر الراكدة تحت الأرض» ..
وبينما معظم جيوش العالم القديم كانت غايتها الغزو والنهب والتدمير والحرق والقتل فقط، ولم يعملوا على أية إصلاحات أو إضافات في الأرض المُحتلّة وكأنّهم مفسدين في الأرض، كانت مصر القديمة تدافع وتحمي عن أرضها فقط، أو تدافع عن الممالك التي تقع تحت حمايتها في وقت الشدة، وكانت أخلاقيات الجيش المصري في حروبه تتلخّص في مقولة القائد العسكري المصري القديم (وني) عندما وصف جيشه المصري قائلاً: «لم ينهب أحداً منهم عجينة خبز من متجوّل، ولم يأخذ أحداً منهم خبز أية مدينة، ولم يستولِ أحد منهم على عنزة واحدة».
ويظهر احترام ملوك الممالك المجاورة لمصر وقوّتها في رسائلهم المسمارية لملك مصر، على سبيل المثال الرسالة التي أتت من (بورنا بورياش) ملك بابل إلى (اخناتون) ملك مصر عندما خاطبه قائلاً: «حينما كان والدي (اوريجالزو) حيّاً، أرسل إليه ملك كنعان رسولاً قال له هيّا لندخل مدينة كارميشات، ولنحارب ملك مصر معاً، فبعث إليه أبي بأن لا تفكر في الاتفاق معي، فإن كنت تريد معاداة ملك مصر فابحث لك عن حليف غيري، أمّا انا فإني لا أسير في هذا، ولا أدمّر بلاد ملك مصر لأنه حليفي، وهكذا رفض والدي أن يصغي إلى ملك كنعان حُبّاً فيك، والآن فإن ملك آشور تابع لي، ولست في حاجة لأن اقول لماذا هو يطلب صداقتك، فإن كنت تحبنى فلا تعقد معه معاهدة واطرده بعيداً جداً»، وتؤكّد الوثائق أن (اخناتون) حالف كلا من الملكين، ولم يقبل أن يؤثر أحدهما على الآخر، وقد رضيَ الملكان بذلك، كدليل على فرض كلمة ورأي وقوة مصر ..
وفي رسالة أخرى من أمير يُدعى (عبدي خيبا)، وكان تحت حماية مصر في بلاد كنعان، إذ يُحدّث ملك مصر قائلاً: «ما الذي اقترفته بحق مولاي الملك؟، إنهم يلومونني عند مولاي قائلين بأن عبدي خيبا قد تألّب على سيّده الملك، ولكنني أقول بأن أبي لم يبوئني -أي لم يعطيه- هذا المنصب ولا أمي، بل أسلحة وأيدي مولاي القوية هي التي فعلت، فلماذا أتمرّد على مولاي الملك؟، ليعلم مولاي بأننا نفتقد إلى قوات حماية ترعى أراضيه التي دخلت تحت رعيته، فهلّا وجّه الملك عناية نحو أراضيه» ..
وبالرغم من أن عصر الملك (اخناتون) كان يمر بفترة ضعف عسكرية كبيرة، الّا ان مصر كانت لها هيبتها في هذا العصر القديم، وبمجرد ان ضعفت مصر جداً خلال الألفيّة الأخيرة قبل الميلاد، انتهز أصحاب التدمير والنهب الفرصة، ووجّهت أكثر من دولة ومملكة مختلفة عينيها تجاه مصر، كيف لا، ومن يملكها يملك العالم والشرق القديم! ..
فلا عجب أن تجد كل الشعوب والحضارات يقارنون دائماً أنفسهم وحضارتهم بحضارة مصر القديمة، ولا عجب أيضاً من يحاولون التقليل من مصر القديمة في موضوع ساذج ليرفعوا من شأن وقيمة حضارتهم، بل وهي الحضارة الوحيدة التي لا يدخل شعبها في مقارنة مع غيرها،
بل غيرهم هم من يقارَنون، فهنيئاً لأرض وشعب مصر بهذا التراث وبهذه الحضارة التي لا يوصفها أي قلم أو أية ورقة أو أي لسان، فـيا من تحاول دائماً التقليل من شأن مصر في مجرد مقارنة ساذجة مدوّنة في ورقة هشة، لا يهتم المصريون بهكذا مقارنات، لأنهم يتحدّثون فقط بالأثر وليس بورقة، فإن الحديث عن عظمة وجمال مصر القديمة لا تحتاج إلى كلمات وأقاويل مؤرخين يتحدّثون عنها، فعندما يتحدّث الأثر المصري، يصمت القلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى