اخبار عربية

أمجاد الجنوب الشرقي المغربي ورزازات تنغير وتازناخت

أمجاد الجنوب الشرقي المغربي ورزازات تنغير وتازناخت

الجزء الأول

 

تنغير و معركة بو كافر : عسو باسلام

 

في عمق جبال الجنوب الشرقي، وبالضبط بقصر “تاغيا نلمشان ” بإقليم تنغير، وُلد فتى يُقالُ له “عسو أوبسلام” عام 1860، سيصبحُ حينما يشتد عوده قائدا بارزا في قبيلة “آيت عطا”، وقائد المقاومة المسلحة ضد المستعمر الفرنسي بالمنطقة، وصانع نصر معركة “بوغافر” الشهيرة.

 

نشأ “عسو أوبسلام” في أسرة ومنطقة معروفين بارتباطهما بالدين الإسلامي الحنيف، على يد والده الذي كان من وجهاء قبيلة “إيملشان”، إحدى فروع قبيلة “آيت عطا”

 

. عاش البطل حياة اليتم منذ سنوات عمره المبكرة رفقة إخوته الأربعة ( ينتين تلاTLA و خيرة و صبيين لحسن و إبراهيم ) بعد وفاة والده

 

، فكانت ملامح التدين والزعامة تتفتق في فترة شبابه، فتم تعيينه سنة 1919 شيخا على قبيلته

 

الظروف السياسية و الاقتصادية التي عرفها الجنوب الشرقي المغربي نهاية القرن 19 وبداية القرن ال20،صنعت منه شخصية قوية مجاهدة مستعدة لمجابهة كل الصعاب

 

.كان باشا مراكش الكلاوي، قدكثف حملاته نحو منطقة تودغا في اطار ما يسمى بالتهدئة la pacification( بإيعاز من المستعمر الفرنسي طبعا) منذ العشرينات من القرن الماضي، حيث نهج سياسة استمالة أعيان و شيوخ القبائل مقابل مصالح مادية و غيرها، هؤلاء بجشعهم الامتناهي، سيعيثون في الأرض فسادا، حيث كثر النهب و الخراب في المنطقة سينخرط عسو بسلام في المقاومة ضد هذا المستعمر الغاشم وأذنابه، فحاول الاتصال بباقي المقاومين من القبائل الأخرى لجمع الشمل و توحيد الصفوف شيوخ كلموز سكورة أولاد شهاب و القائد أحمد بجبال سيروا بقيادة سيدة من أيت وتزكيت،

فبدؤوا بالتسليح حيث كانوا يأتون بسلاحهم من مراكش مدسوسا داخل أكياس السكر، بالإضافة إلى ما كانوا يغنمونه من سياسة حرب العصابات التي كانوا ينهجونها ضد المستعمر ،خصوصا تلك المعروفة بموقعة تيزي نتدارت، التي غنموا منها الكثير من الأسلحة، ساعدتهم في المضي قدما لتحقيق مساعيهم

 

عسو أوبسلام.. المقاوم المغربي الذي قهر جيشا من 83 ألف جندي فرنسي في معركة “بوغافر” .

 

لم تخرج منطقة تنغير عن السياق العام لمغرب ما بعد فرض معاهدة الحماية عام 1912، فبعد دخول المستعمر الفرنسي إلى المملكة، انخرطت قبائل الجنوب الشرقي بدورها في المقاومة المسلحة دفاعا عن حوزة البلاد، فكان تقدم قوات الاحتلال الفرنسي ومعاونيه آنذاك من “الكلاويين” في الأطلس الكبير وجبل “صغرو” يقلق “عسو أوبسلام” و القائد أحمد بسيروا ، فتولى على الفور قيادة المقاومة المسلحة بالمنطقة صاغرو ضد المستعمر وعملائه، واستطاع أن يحقق انتصارات كتبها له التاريخ بمداد من الفخر والاعتزاز.

 

وحرض “عسو أوبسلام” قبائل “آيت عطا” على مجابهة الاستعمار الفرنسي في الأطلس الكبير الشرقي و”جبل صاغرو” إبان الثلاثينات من القرن العشرين. وتولى شؤون قبيلته لما عرف به من بسالة وشجاعة، فقام بقيادة وتأطير المقاومين وتوحيد الصف والتدبير المدني والعسكري، كما نجح في عقد التحالفات بين قبائل الأطلس المجاورة من أجل صد الغزاة.

 

انطلقت مقاومة “عسو أوبسلام” من الأطلس الكبير من “جبل صاغرو”، التي استهدفت محاربة “التهامي الكلاوي”، الذي فرض سطوته على الجنوب في العشرينيات والثلاثينات من القرن 20، بمساعدة الفرنسيين الذين دعموه بالمال والأسلحة من أجل تطويق المقاومة بالمنطقة والتخلص منها. فواجهه المقاومون الشجعان من مثل “بلقاسم النكادي” في منطقة “درعة”، و”عسو أوبسلام” في “صاغرو” و”بوغافر”.

 

حقق المقاومون بقيادة “عسو أوبسلام” نصرا كبيرا في معركة “بوغافر”، التي درات رحاها عام 1933، فحيروا بذلك القادة العسكريين الفرنسيين، واعترف ضباط الاحتلال بهزيمتهم النكراء. وتكبدت قوات فرنسية قوامها 83 ألف جندي، في المعركة التي استمرت حوالي 45 يوما، خسائر فادحة في الأرواح، تقدر بـ3500 قتيل، فيما فاق عدد الشهداء من المغاربة ذلك العدد، أكثرهم من الشيوخ والأطفال والنساء.

 

ولم يستسلم هذا المقاوم إلا في 25 مارس 1933 بعد اشتداد الحصار المفروض عليه وعلى المقاومين برا وجوا، حيث تم تطويقه عسكريا من قبل القوات الفرنسية من جميع الجهات، فاضطر إلى الاستسلام حقنا لدماء النساء والأطفال والشيب، والتفاوض وفق شروط كانت في صالح “آيت عطا”.

 

عرف المقاوم “عسو أوبسلام” بنزاهته وحبه لوطنه، فكان موقفه رافضا بشدة لكل الإغراءات والمساومات التي قدمتها السلطات الاستعمارية الفرنسية آنذاك عبر المترجمين المغاربة.

 

توفي المقاوم “عسو أوبسلام” عام 1963 بعد صراع طويل مع مرض السكري، ودفن في مقبرة أجداده بجماعة “تاغيا إيملشان”.

 

اللوحة من ريشة إبن عمي حمزة أكوجيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى