مفالات واراء حرة

أعقد أشكال العلاقات البشرية (الحُب)

بقلم الأديب سامر منصور

 
تشكل الأسرة النواة الأساسية في المجتمعات وكلما كانت مشاكل الأسرة أقل أمسى المجتمع أقرب ما يكون إلى التماسك والاستقرار .. فما هو العامل الأساس لاستقرار الأسرة؟
طرحتُ هذا السؤال على العديد ممن حولي فكان الجواب الحُب ..

لكن المشكلة تكمن في عدم وجود اجماع على تعريف الحُب .. فمن الناس من يسرح في خياله إلى عوالم أخرى وينطق بعبارات جلها طوباوية .. ومنهم من يحاول ويحاول صياغة تعريفاتٍ واقعية للحُب ..
هل الحُب أمنية نسعى لتحقيقها أم أجمل أوهامنا .. جاء في رواية ماجدولين (تحت أغصان الزيزفون) للكاتب الفرنسي الفونس كَار ترجمة الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي ..
(( تنظر المرأة إلى الرجل الذي تحبه نظرها إلى حليتها التي تلبسها وتعتز بها وتَدلُّ بمكانها على أترابها ونظائرها ، فلا أوقع في نفسها ، ولا أشهى ألى قلبها ، من أن تسمع الرجال يقولون عنه أنه رجلٌ عظيم ، والنساء يقلن عنه أنه فتى جمل ، فهي تحبه لخيلائها وكبريائها ، أكثر مما تحبه للذاتها وشهواتها .
وترى في اعجاب المعجبين به وافتتان المفتتنات بحسنه وجماله اعترافاً منهم بحسن حظها ، وسطوع نجمها ، واكتمال أسباب سعادتها وهنائها ، وهذا كل ما يعنيها من شؤون حياتها.((
– ما هو الحُب؟! وهل هو مفهومٌ ثابت أم متحول من مجتمعٍ إلى آخر ومن زمانٍ إلى آخر .. أو ربما من شخصٍ إلى آخر؟
 
الحُب في العقل الجمعي لأمةٍ ما ..
إن التاريخ والآداب بشكلٍ عام والروايات ، بشكلٍ خاص ، هو تسجيلٌ وتوثيقٌ لمسيرة العقل البشري في اكتشاف ذاته.. هذا ما جاء في رسالة الفيلسوف هيغل الشهيرة (مسيرة العقل في التاريخ) وعليه إن العقل البشري يخوض مراحل من التطور تسميها كتب التاريخ عصوراً وإذا بحثنا في آداب ما بعد عصر النهضة وآداب ما قبل عصر النهضة نلمس من تغيراً واضحاً في التوجهات الفكرية للإنسان .. أي كما تطورت بعض الكائنات وفقاً لنظرية الاصطفاء الطبيعي للعالم دارون فأصبح عنق الزرافة طويل وأجنحة البطريق خالية من الريش و أشبه بزعانف ..إلخ .. كذلك الإنسان تطور ولكن على الصعيد السيكولوجي فإنسان المدينة الحديثة ليس ذاته إنسان الألف الأول للميلاد على الصعيد العقلي (المنظور السيكولوجي إلى الوجود)
وتطور الإنسان ينسحب على تطور جميع علاقاته ومفاهيمه وحتى على الروابط الأسرية وشتى العلاقات الاجتماعية .. ومفهوم الحُب فاعلٌ و منفعلٌ في سياق هذا التطور الذي شهده ويشهده العقل البشري .. وتغير هذا المفهوم جاء من جملة تغييرات من حيث فهم الإنسان لنفسه وللوجود وللآخر بشكلٍ أعمق .. فالحُب في عصور ما قبل الآلة كان يظهر جلَّ ما يظهر في الآداب كعلاقة سامية مُقدسة بين كائنين جميلين يتسمان بالنبل والإخلاص ..
أي أنه كان يظهر في جانبه المثالي (الطوباوي) فهناك العذراء الرقيقة ، الطاهرة ، العفيفة ، بارعة الجمال وهناك الفارس النبيل الشجاع المقدام صاحب السيف المميز والحصان الأبيض الرشيق .. كان الحُب عذرياً في متن السرد القصصي وغالباً ما تحول الحوائل بين الحبيبين وينطلق الرجل العاشق في مغامرة وتظهر المرأة كجائزة سامية كأفضل عاقبة وجزاء لكل شجاعٍ نبيلٍ جسور ..
أي أن المرأة كان تلعب دور العنصر الكاشف لخصائص بطل الحكاية من نبل وشجاعة وغيره من القيم السامية وحين الاتصال الحسي ( القبلة أو العناق ) تنتهي الحكاية بمقولة وعاشوا في سبات ونبات وأنجبوا صبياناً ونبات .. وهذا الموروث الأدبي ظلَّ يرفد العقول والعقول ترفده ( تغذية راجعة ) لوقتٍ طويل .. إلا أننا بعد نشوء المدن العملاقة واتساعها ابان غلبت البرجوازية وانحسار الاقطاع وظهور الآلة كأساس في مجال الانتاج .. باتت العلاقات الاجتماعية أكثر تعقيداً.. وظهرت في المدن الدعارة الممتهنة والجريمة المنظمة وتجارت المخدرات وانهارت الكثير من القيم الاجتماعية أمام إيقاع الحياة السريع والتنافس المحموم وصراع الإرادات الفردية من جهة والطبقية من جهةٍ أخرى ..
وفي ظل ايقاع الحياة السريع في المدينة و جنوح الإنسان إلى اقتناء الكماليات و الانفتاح وظهور المكنة التي توفر شقاء العمل ، بحيث أنها يمكن أن تدار من قبل امرأة كما تدار من قِبل رجل ( لا فرق ) ..
أخذت الأنثى تلعب دوراً اجتماعياً أعمق و أوسع وبات في مقدورها المطالبة بالمساواة مع الرجل.. فتميز الرجل بقدرة التحمل والقوة البدنية قد حدت منه الآلة في مجال الفاعلية الانتاجية ..
و نما في العقل الجمعي لإنسان المدينة الحديثة مفاهيم أخرى نابعة من معاناتهم جُلها بعيد عن الرومنسية والطوباوية .. حيث ظهر مفهوم الشاطر والفلهوي ( الحربوق ) ليحل محل الفارس النبيل ذو القيم السامية .. فباتت المجتمعات الحديثة تمجد قناص الفرص الماكر الذي استحال من نكرة إلى صاحب مركز اجتماعي مرموق ( على مبدأ علي بابا الماكر ) وهذا كله ظهر في جُل الآداب المحلية والعالمية وعلى أجهزة التلفزة وفي السينما .. ولم يعد الشرير يعاقب كما في الأدب القديم ..
بل كثيراً ما ترى في روايات الأدب الحديث الشر ينتصر والمجرم ينجو .. كما في رواية ( مئة عام من العزلة ) لغابرييل غارسيا مركيز .. أو تبريراً لما يعتبر مناهضاً للقيم الاجتماعية كما في رواية ( زوربا ) لنيكوس كزانتزاكي .. والنهايات لم تعد سعيدة على غرار آداب ماقبل ( عصر الآلة ) .. الخير لم يعد ينتصر ذلك الانتصار البيّن والحبيبين لم يعودا كائنين جميلين .. والخيانة لم تعد فعلاً مُداناً بالمطلق .. بل قد يغفر الزوج للزوجة خيانتها في الأدب الحديث .. وكما أسلفت القول .. الأدب أكثر مرآة صادقة لوجدان الشعوب .. و الحُب الذي ذكر في الأساطير والآداب القديمة وفي عصر هيمنة الإقطاع على النظم الاجتماعية لم يعد حاضراً .. وقد يقول البعض هو لم يكن حاضراً في الواقع بل فقط في خيال الأدباء والشعراء .. لكن الأكيد أن نمط الحياة الذي نعيشه اليوم يجعل من الحُب معادلة صعبة .
وأرى أن الأفلام والمسلسلات والأدب الحديث مازال كما القديم يكرّس لربط مفهوم الحُب بمفاهيم الجمال .. فأبطال المسلسلات والأفلام جذابون .. وإن لم يعد البطل يحمل سيفاً جميلاً ولديه حصانٌ أبيض فهو بات يرتدي سترة جلدية جميلة ويركب دراجة ً نارية بهيّة .. كم وكم من مرّةٍ رأينا في المسلسلات والأفلام رجلاً يرتكب أكثر أنواع الجنون انحطاطاً بسم الحُب .. فهاهو بطل الأفلام الأمريكية يقتل عشرات الرجال لا بل ويفجر سيارات وأبنية ويطلق النار وسط شوارع المُدن المكتظة فقط لينقذ حبيبته .. وكأن القتل بات مشروعاً والاستخفاف بأرواح الناس أمرٌ مبرر ما دام هناك فتاة ٌ تحبها في انتظار أن تنقذها!! القتل في سبيل الحُب بطولة والسرقة والاحتيال في سبيل الحُب حنكة ودهاءٌ مجيد .. إلخ
والأعجب أننا حين نطالع قصص الحُب أو نشاهدها عبر التلفاز أو السينما يكون الأبطال غاية في الجمال؟
أيها الإنسان .. لماذا حين ترسم قصص الحب في أشعارك جل ما نقرأ أوصاف الجمال؟ لماذا يأتي الأمير على الحصان الأبيض؟ لماذا لا يأتي الفقير على التيس الأبرص؟.. لماذا الوردة الحمراء هي أهم رموز الحب؟.. ألا يجوز أن تكون ورقة العنب رمزاً للحب؟.. هل الحب يدور في فلك الجمال؟.. أليس جُلُّ المتحابين يعوزهم الجمال؟.. أيهما أسمى الحب أم الجمال؟..
هل الحب بغير جمال كأزهار بغير عطر وأثمار بغير بذور كما قال جبران خليل جبران؟
ربما من الأفضل أن لا نثير الكثير من الأسئلة لأنها كالرمل إن أثرناها خسرنا صفاء أوهامنا الجميلة.
وفي الختام أود أن أنوه إلى أربعة فئاتٍٍ واضحة من المُحبين:
– فئة إلغاء الذات (بمعنى انكار الأنا والاحتراق في سبيل الشريك) أي عندما يحُب تنتهي حياته لذاته وتصبح حياته للشريك فإن مات حبيبها انتحرت .. كما في مسرحية (روميو وجوليت) لشكسبير .. وهذه فئة تؤمن – أغلب الظن – بوجود الحُب العذري والحُب من النظرة الأولى ، وأنه يجب أن يكون الحُب علاقة مقدسة تتكلل بالزواج ، وأنه محور الحياة ومبلغ السعادة الأعلى.
– الفئة الثانية من الناس تنظر إلى الحب كذوبان ذاتين في ذاتٍ واحدة .. أي لم يعد هناك (أنا) و(هي) بل أصبح هناك نحنُ لا يفرق بيننا إلا الموت .. والحبيب عند هذه الفئة .. لا يمكن استبداله أي في حال مات أحدهما يعيش الآخر بقية عمره أرملاً.
– الفئة الثالثة هي من يُحُب الآخر حُبَّ التملك .. أي أنه يريد أن يمتلك الآخر ويأخذه من الدنيا بأسرها – إن أمكنه – إلى عالمٍ لا يتواصل فيه إلا معه هو .. ويكون هذا النوع مُفرط في الغيرة ويشقى ويُشقي حبيبه .. وكثرة الوساوس والمشاكل قد تفني الحُب.. وأرى إن الحُبُّ الذي يطغى ألمه على سعادته ليس حُباً بل هو فرط شعوري ووجداني تعاني منه شخصية مريضة.. حيث أن العديد من الأمراض النفسية ك(النرجسية ، والسادية والمازوشية) تتقاطع في أن الشخص المصاب بها يتعلقُ تعلقاُ مرضيّاً بشيء ما أو بشخص ما.
– الفئة الرابعة يبحث فيها الشخص عن من يشبهه .. ويستطيع فهمه لإقامة علاقة تشاركية تستمر بمقدار استمرار التفاهم والانسجام .. فهذا الشخص ينجذب ويقع في غرام من يحب الأمور التي يُحبها .. كموسيقاه المفضلة وهواياته المفضلة ..إلخ أي من له ذوق قريب من ذوقه .. ويكاد يتطابق معه في كلِّ شيء .. أي وه باختصار يبحث عن شبيهه ليمنحه الحُب .. وهنا من الممكن استبداد الشريك في حال استحال الشبه إلى تنافر.
– وهناك من يبحث عن من يتكامل معه ولا يتطابق .. وهذا النمط من الحُب شائع في الغرب أكثر من بقية البلدان حسب اعتقادي.. حيث يبحث الشخص عن شخصٍ آخر يملك ما لا يمتلكه هو .. فإن كانت تحب الأجساد الرياضة وأعاقها سببٌ ما عن أن تكون رياضية فهي تُحب رجلٍ رياضي .. وإذا كانت فقيرة تحب رجلٍ ثري .. إلخ وهذا الحُب يستمرُّ ما استمرَّ التكامل بين الحبيبين .. وهنا يمكن استبدال الشريك في حال انتفى التكامل .. وقد يقول قائل ما هذا بالحُب .. وهنا أنا أذكركم بأنني أتحدث من أرض الواقع وليس عن مفاهيم وتصورات .. والحُب وفقاً لجميع الفئات السابقة هو علاقة متينة وتتفاوت نسبة قابليتها للاستمرار بين فئة وأخرى.
وأرى أنه من الطبيعي أن لا تطغى علاقة مُستدامة قطعاً بين البشر أيَّاً كانت .. فالحُب الذي يستمرُّ في وتيرة واحدة والذي يوصف بالحُب الخالد نادرٌ جداً.. فالكون الذي نعيش فيه بأسره محكوم بالمُتغيرات والثبات فيه نسبي .. وأنا شخصياً أرى أن أسمى حُب بعد حُب العبد لخالقه .. هو حُب الأم لولدها .. ذلك أنه الحُب الوحيد غير المشروط والذي يمتد من لحظة الولادة أو ما قبلها .. إلى ما بعد الموت .. والفتاة تحب الرجل لماله أو جاهه أو وسامته .. أما الأم تحب ابنها فقط لأنه ابنها .. إنه حُبٌّ خالصٌ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى