اخبار عربية

أئمة أردوغان في أوروبا جواسيس تحت العمائم

أئمة أردوغان في أوروبا جواسيس تحت العمائم
يخفون حقيقتهم خلف عباءات فضفاضة وعمائم مستديرة، يزينها السمت الوقور، والكلام المنمق عن تعاليم الملة. هؤلاء هم أئمة أردوغان في مساجد أوروبا، والذين لا تلبث عواصف اتهامهم بالجاسوسية تهدأ، حتى تتبعها عواصف جديدة تؤكد تطابق المأثورة القديمة عليهم: “اللابسون جلود الضأن فوق قلوب السباع”.
في التقرير التالي، نرصد تاريخ عمل الأئمة الأتراك كجواسيس لصالح نظام أردوغان خلال السنوات الأخيرة، عبر الشبكة الواسعة من المؤسسات الدينية في أوروبا، والتي أسسها الرئيس التركي كفروع لأصل، هو هيئة الشؤون الدينية في أنقرة، والمعروفة اختصارًا باسم “ديانت”.
أسست ديانت للمرة الأولى في العام 1924 على يد قادة الجمهورية التركية الحديثة بغرض احتواء الإسلام وتحجيم دوره في المجتمع التركي الجديد، المتشح بالعلمانية. وظلت الهيئة تمارس دورها بثبات حتى نشوء الإسلام السياسي في تركيا عام 1969، عبر حركة ميللي غوروش (الرؤية الوطنية) التي أنشأها المفكر التركي الشهير نجم الدين أربكان، واستهدف بها التحول بتركيا عن النموذج العلماني إلى نموذج الدولة الإسلامية.
ولما كانت ميللي غوروش قد نجحت خلال السبعينيات من القرن الماضي، ورغم حظر أحزابها السياسية المستمر، في إيجاد صيغة من صيغ التحالف مع السلطة الحاكمة في أنقرة بغرض ضرب اليسار الشيوعي في الشارع التركي، فقد سمح ذلك لأربكان ورفاقه بالتسلل إلى هيئة الشؤون الدينية (ديانت) والسعي إلى تغيير المقصد الأساسي الذي أقيمت لأجله.
ففي العام 1975، أُعلن عن تأسيس وقف ديانت، وعينت له الحكومة التركية مخصصات مالية كبيرة، بهدف إعادة نشر الأيديولوجية الإسلامية في داخل تركيا، وبين أبناء الجاليات التركية في الخارج. والهدف الأخير كان يشير إلى تناسق ما مع أهداف حركة ميللي غوروش التي أسس لها أربكان حول نفس الفترة الزمنية فروعا في أوروبا لخدمة أتراك المهجر.
على أي حال، ففي العام 1978، وإكمالا للتغيير في مهمة ديانت، خاصة على مستوى الجاليات التركية في الخارج، دشنت أنقرة 18 قنصلية تركية للشؤون الدينية في ألمانيا، حيث التجمع الأكبر للأتراك المهاجرين، كما عينت 21 ملحقًا للخدمات الدينية، كانت ديانت هي من تقدمهم إلى السفارات التركية في أوروبا وأمريكا وأستراليا.
وبعد انقلاب الجيش التركي في العام 1980، وإعلان التحالف الصريح بين السلطة العسكرية والإسلاميين الأتراك في ميللي غوروش، أتى دستور العام 1982 ليؤكد التحول الشامل في مهمة هيئة الشؤون الدينية. ففي المادة الـ136 من الدستور، أنيط بـ «ديانت» مهمة “رعاية الوحدة الوطنية” في تركيا، عبر إعادة تمثيل الإسلام داخل المجتمع. كما كلفت الهيئة كذلك بالنفاذ إلى مجتمع أتراك المهجر، عبر المساجد التي أنشئت في البلاد الأوروبية، لضمان التواصل بين المهاجرين – خاصة أبناء الجيل الثاني منهم – وبين الوطن الأم، تركيا. وسريعا، أسس لذلك الغرض فرع لوقف ديانت في هولندا، حيث ثاني أكبر تجمع للمهاجرين الأتراك في أوروبا، بعد ألمانيا، بالعام 1982 نفسه. أعقبه تأسيس الاتحاد الإسلامي التركي “ديتيب” في ألمانيا، 1985. وبطبيعة الحال، كانت ديانت هي التي تقدم بصورة حصرية الأئمة الخطباء للمساجد التي يبنيها الوقف في تلك البلدان. وكانت الرواتب التي تقدمها الدولة التركية لهؤلاء هي الضامن الأساسي لتنفيذهم الخطة الأصلية للحكومة.
ولما كانت تركيا حتى تلك الفترة، أي ثمانينيات القرن العشرين، مصنفة كدولة علمانية، فإن الدول الأوروبية التي نشطت فيها ديانت، لم تنظر إلى نشاط الأخيرة باعتباره مشكلة، بما إن الإسلام الذي تقدمه الهيئة، ومن ورائها الدولة التركية كان ينظر إليه من قبل تلك الدول كإسلام وسطي ومعتدل، أبعد ما يكون عن أطروحات الإسلام السياسي التقليدية القائمة على العداء للغرب والصهيونية. وبالتالي فإن دولة مثل هولندا، قبلت في العام 1983 التوقيع على اتفاق مع الحكومة التركية، يسمح لوقف ديانت بأن يكون المسؤول حصرا عن تعيين الأئمة في المساجد التابعة للهيئة في المدن الهولندية.
لكن هذه الطمأنينة الأوروبية لم تلبث أن كشفت عن قصر نظر واضح. فخلال الثمانينيات والتسعينيات نفسها، والتي كانت العلمانية التركية فيها هي المسيطرة، بدا واضحًا أن الجاليات التركية في أوروبا، خاصة في ألمانيا وهولندا، لم تعتبر الإسلام الذي قدمه لها أئمة ديانت مجرد صياغة قومية ممزوجة بالدين لربطهم بالوطن الأم، وإنما كان – إلى جانب نشاطات ميللي غوروش – عاملا حاسما في غرس النموذج الراديكالي للإسلام السياسي في نفوس أتراك المهجر. وكان رفض أولئك النفر الأخير لتبني التقاليد الثقافية الألمانية مثلا، وتمسكهم بالهوية التركية، إلى جانب اعتناقهم لفكرة دولة إسلامية تركية، وغضبهم الشامل من الانقلاب على حكومة نجم الدين أربكان (فبراير 1997) أبلغ الأدلة على ذلك الأثر القومي – الديني الخطير لمشروعات ديانت وميللي غوروش، والتي ستبلغ أوجها مع صعود الإسلاميين الأتراك من جديد إلى سدة الحكم في أنقرة العام 2003، عبر حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان.
 
بعد فوزه برئاسة الوزراء في تركيا، تبنى أردوغان وحزبه أيديولوجيا مزيجًا من الخطابين القومي والإسلامي عرفت باسم العثمانية الجديدة، أعلن أن الهدف منها هو العودة إلى مناطق النفوذ القديمة للأتراك العثمانيين في البلقان والعالم العربي.
في إطار هذه الخطة، كان لأتراك المهجر دور أساسي. فلكي يضمن حزب العدالة والتنمية الانطلاق في هذه الخطة التوسعية، كان لا بد من ترسيخ أقدامه أولا في الداخل التركي، وبين الجاليات التركية في الخارج. وفي سبيل ذلك، ضاعف أردوغان بدءا من العام 2010 من نفوذ ديانت، والتي أصبحت الآن تمنح ميزانية هائلة تتصاعد سنويا (ميزانية ديانت بلغت في العام 2017 ما يوازي ميزانية 11 وزارة مجتمعة في الحكومة التركية)، في مقابل تبني الأئمة الخطباء التابعين للهيئة للخطاب الأيديولوجي الخاص بالعدالة والتنمية، وتحولهم صراحة إلى أبواق دعائية لهذا الخطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى