كتب _ فارس ربعي

لقد انتشرت برامج التعليم المفتوح في العالم أجمع‏,‏ سواء أكانت تقدم في جامعات مستقلة أم ملحقة بالجامعات التقليدية‏,‏ والتي لم تقف في برامجها عند حدود الدرجة الجامعية الأولي فقط‏(‏ البكالوريوس‏/‏ الليسانس‏),‏ وإنما تعدتها إلي مرحلة الدراسات العليا‏,‏ كما لم تعد مؤسسات التعليم المفتوح تقف بخدماتها عند المستوى القومي و المحلي فقط بل صارت بفضل ثورة الاتصالات مؤسسات عابرة للحدود والقوميات وتم اعتماد برامجها والاعتراف بدرجاتها العلمية في مختلف التخصصات في جميع أنحاء العالم، وأصبحت أرقى الجامعات الأوربية والأمريكية من كبار مقدمي خدمات التعليم المفتوح على مستوى العالم، وأصبح طلابه منتشرين بالملايين في جميع أنحاء
العالم.

والمشكلة أننا في مصر نسير عكس مسار التقدم الإنساني، فبينما يتجه العالم إلى تبني مختلف أنماط التعليم المفتوح نقوم نحن باغتيال التعليم المفتوح في مصر ماديا ومعنويا من خلال محاصرته، وعدم الاعتراف بما يمنحه من شهادات، وتشويه صورته في أذهان الشباب وأصحاب الأعمال والنقابات المهنية.

نعم ينبغي أن نعترف أن التعليم المفتوح المطبق في مصر ليس تعليما ولا مفتوحا في أي برنامج من البرامج التي تقدمها الجامعات المصرية جميعها، وهي تتفاوت في ما بينها ليس في درجة جودتها بل في سوئها ومجافاتها لأبسط المعايير التي ينبغي توافرها في أي نوع من التعليم سواء أكان تقليديا أم مفتوحا. ولكن ينبغي في المقابل الاعتراف أيضا بأن العملية التعليمية وخاصة في الكليات كبيرة العدد لا تقل سوءا عن نظيرتها في التعليم المفتوح، فلا يستطيع أحد أن يدعي أن مئات الطلاب المحشورين في المدرجات يتعلمون على نحو أفضل من نظرائهم في التعليم المفتوح الذين يتعلمون عن طريق التلفزيون أو الدراسة في الكتب والمذكرات، أويطالعون المادة التعليمية بأي طريقة عبئت بها على الاسطوانات المدمجة، كما لا يخفى على أحد ان الدروس الخصوصية تمارس داخل جدران الكليات ووفقا لجداول معلنة، كما تنتشر بها الملخصات و المذكرات والمراجعات النهائية وأيضا…البرشام.

إننا عندما نحاصر برامج التعليم المفتوح نكون أشبه بمن يقتل المريض بدلا من أن يعالجه، ونكون قد أشهرنا إفلاسنا وأعلنا عجزنا عن علاج القصور في جانب مهم من تعليمنا وتقاعسنا عن إصلاحه متذرعين بحجج واهية، وبدلا من أن ننظر إليه كجزء من حل العديد من مشكلات التعليم الجامعي مثل مشكلة القبول، والتوزيع الجغرافي، وازدحام المدرجات بالطلاب وما يترتب على ذلك من ضعف العلاقة ومن ثم غياب التفاعل بين الأستاذ وطلابه وانتشار الملخصات والمذكرات ووسائل الغش وغيرها، اعتبرناه هو المشكلة وتسابق الجميع لذبحه.
وإذا كنا في مصر بحاجة إلي التوسع في التعليم العالي والجامعي‏,‏ وإتاحته أمام التيار المتدفق من طلاب المرحلة الثانوية بكل أنواعها‏، ,‏فإن هذا التوسع لن يؤتي ثماره إذا قمنا باستنساخ الجامعات القديمة بأسوارها وهياكلها ونظمها الإدارية وطرق التعليم فيها وتخصصاتها ونظم القبول بها‏، وإنما يكون‏‏، وفي ظل قصور يد الدولة عن بناء جامعات تقليدية‏، باستحداث أنماط جديدة من التعليم العالي والجامعي تتوافر فيها معايير الجودة والتميز والتنوع والمرونة‏ مثل التعليم المفتوح بجميع أنماطه ونظمه، وأساليبه واستراتيجياته، على نحو ما هو سائد في العالم الان.