بقلم / محمد سعيد أبوالنصر
قال تعالى: { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} [البقرة: 221]
جاءت هذه الآيات لتشرح رغبات بعض الناس في التزوج بالمشركات اللاتي لا دين لهن من أجل الحصول على مأرب دنيوي كوظيفة في بلد أو إقامة أو جنسية في دولة وهذا ما نراه ونشاهده فقد فُتن كثير من الشباب العرب والمصرين وتزوجوا بالمشركات اللاتي لا دين لهن وأصابهم الغرام بعشرتهن وتركوا بنات وطنهم من المسلمات المؤمنات العفيفات، فماذا كانت النتيجة فسد دينهم وضاعت وطنيتهم ، وقطعوا الأرحام بينهم وبين أقوامهم ، ثم ماذا حصدوا من هذا الزواج ؟ “صارت المعيشة الزوجية في كثير من الأحيان جحيما وغصة وعذابا أليما، حتى اضطر بعضهم إلى الطلاق بعد أن أنفق كثيرا من ثروته وماله، ومن استمر عليها أغضى العين على القذى وباع العرض رخيصا، وفقد الغيرة والنّخوة التي هي أفضل شمائل الرجل ، وقلما اهتدت امرأة بزواجها بمسلم فأسلمت، بل لقد عظم الخطب وعمّ البلاء، فسرت العدوى إلى المسلمات المتعلمات الغنيات، فتزوّجن بمن أحببن من رجال الغرب غير المؤمنين بدين الفرنجة بلا مبالاة ولا خشية من دين، ولا خوف من حكومة، ولا وازع من أسرة، وكل هذا من ضعف الوازع الديني، وترك الفضائل الإسلامية التي ينبغي أن تغرس في نفوس النشء إبّان الصبا.
إن الزواج اختلاط روحي، وشركة أدبية، وتعاون دائم على قطع لأواء هذه الحياة وشدتها، والبيت الزوجي في هذه الحياة اللاغبة الكادحة كالواحة في وسط الصحراء، يأوي الرجل إليها بعد التعب واللغوب، فلا يصح أن يكون مناط الاختيار هو الجمال ولا النسب فقط، ولا هما معا من غير أن يكون إيمان وخلق واطمئنان نفس وعلو إدراك وأمانة، وحسن عشرة ولطف مودة ولذا حض الاسلام على اختيار الزوجة المؤمنة التقية التي تستطيع أن تحقق مرد الشرع من الزواج ، وحرم الإسلام وأكد على الابتعاد عن المشركات .
معنى المشركات والمشركين :
مَنْ هم المشركات والمشركين ؟ المشركون :” هم عبدة الأوثان، وأصله من الإشراك، وأصل كلمة أشركته بمعنى جعلت الشيء بينه وبين غيره شركة، والشركة كما تكون في الحسيات والأشياء، تكون في المعاني ومن هذا الباب أطلقت كلمة ” إشراك ” على عبادة غير الله معه؛ لأن من فعل ذلك فقد أشرك مع الله غيره في العبادة والتقديس والألوهية.
استعمال القرآن لكلمة ” مشرك “:
لكثرة استعمال القرآن هذا اللفظ في هذا المعنى كان لكلمة ” مشرك ” إطلاق خاص فيه؛ وهو إطلاقه على من يعبد الأوثان؛ فكلمة: مشرك، ومشركين، ومشركات، كلها إذا ذكرت في القرآن انصرفت إلى عبدة الأوثان من غير أية قرينة دالة على ذلك؛ لأنها صارت في الإسلام حقيقة عرفية عليهم؛ ولا تطلق على اليهود والنصارى؛ وإن قال الله سبحانه عن النصارى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } [المائدة: 73]
وعن اليهود: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)} [التوبة: 30] إذ صار لفظ المشركين اسما لجنس معين؛ ولذا كان يذكر النصارى واليهود بعنوان أهل الكتاب، وعبدة الأوثان باسم المشركين؛ فقد قال تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1)} [البينة: 1] فذكر في هذه الآية الكريمة الجميع بعنوان الكفر؛ ولكنه فصل بينهما، فجعلهما جنسين مختلفين، وإن ذلك أدى إلى الاختلاف في المعاملة، والاختلاف في الأحكام؛ وكانت العلة في هذا الاختلاف مشتقة من التسمية نفسها؛ فأولئك لهم كتاب، وإن كان محرفا؛ والمشركون ليس لهم كتاب، فلا ضابط يضبطهم، ولا عاصم يحول بينهم وبين الإيغال المطلق في الشر، ولا حريجة دينية تقيدهم، بل هم حائرون بائرون.
حكم الزواج من المشركات :
الزواج من المشركات حرام بنص القرآن الكريم . قال تعالى: { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} [البقرة: 221] في هذه الآية { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ }بيّن الله تعالى حكم التزاوج بين المؤمنين والمشركين، فيقضى سبحانه بتحريم التزاوج بينهما، فلا يحلّ للمؤمن أن يتزوج مشركة، ولا لمشرك أن يتزوج مؤمنة .
وقوله {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } [البقرة: 221] أي لا تتزوجوهن؛ ولا تزوجوهم المؤمنات إلا إذا آمنوا وتركوا ما هم عليه من الكفر، وحينئذ يصيرون أكفاء لهن.
وقال تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (10) } [الممتحنة: 10، 11]وسياق الآية والسورة كلها – سورة الممتحنة – وسبب نزولها يدل على أن المراد بالكوافر: المشركات: أعني الوثنيات. وهذا الحكم – منع الزواج من المشركات الوثنيات – ثابت بالنص، وبالإجماع أيضًا، فقد اتفق علماء الأمة على هذا التحريم، كما ذكر ابن رشد في بداية المجتهد وغيره.
من حكم تحريم الزواج بالمشركات :
العلاقة الزوجية من شأنها أن تربط بين الزوجين بروابط روحية ونفسية وعقلية، والروابط بين المؤمن والمشركة، أو المشرك والمؤمنة، غالبا ما تؤدي إلى إفساد الطبيعتين معا،” فلا يكون المؤمن مؤمنا، ولا المشركة مشركة، كما لا يكون المشرك مشركا ولا المؤمنة مؤمنة. إذ أن كلّا من الزوجين ينضح على الآخر من روحه ونفسه وتفكيره، فيقيمه على منزلة بين المنزلتين: بين الإيمان والشرك.. وفى هذا ما يدخل الضيم على المؤمن في دينه، وربما خرج منه جملة، فباء بالخسران المبين. أما المشرك فلا خسران عليه، إذ هو- عند الله- من الخاسرين، من قبل ومن بعد. فلا تتزوجوا المشركات ما دمن على شركهن. {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] أي ولأمة مؤمنة على ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر، خير من مشركة حرة على مالها من شرف الحرية ونباهة القدر ولو أعجبتكم بحمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها. إذ بالإيمان يكون كمال دينها، وبالمال والجاه يكون كمال دنياها، ورعاية الدين أولى من رعاية الدنيا إن لم يستطع الجمع بينهما- إلى أنه ربما حصلت المحبة والتآلف عند اتحادهما دينا فتكمل المنافع الدنيوية أيضا من حسن العشرة وحفظ الغيب وضبط الأموال والقيام على الأولاد بتنشئتهم تنشئة قويمة، وتهذيب أخلاقهم حتى يكونوا قدوة لسواهم.
أخرج ابن ماجه عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكحوا النساء لحسنهنّ، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهن على الدّين، فلأمة سوداء ذات دين أفضل»
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك»
أي افتقرت، وظاهر هذا الأسلوب الدعاء عليه، والمراد الدّعاء له، وهو كثير الاستعمال في كلام العرب. ” وقد يخطر بالبال هنا أن في التزاوج بين المؤمنين والمشركين، ربما يكون من نتائجه تحول المشرك أو المشركة إلى الإيمان، وفى هذا تعويض للخسارة التي قد تنجم من تحول المؤمن أو المؤمنة إلى الشرك، وبهذا لا تكون هناك خسارة بالنسبة للمجتمع المسلم، الذي إن خسر هنا ربح ما يعوض الخسارة هناك! وهذا التقدير غير سليم، وغير عادل! أما أنه غير سليم، فإن الشرّ غالبا يغلب الخير، وتتسرب عدواه إلى الخير بالمخالطة أكثر من تسرب الخير إليه، إذ كان الشر يعمل وأهواء النفوس معه، وشهواتها مائلة إليه، جاذبة له! وأما أنه غير عادل، فإن فيه مخاطرة بنفس مؤمنة في مقابل نفس مشركة، وشتان ما بين نفس ونفس! .